وانتصر الفراغ: عن جدلية غياب القوى ثورية وسطوة "المؤثر" في تونس ما بعد 25 جويلية.

وانتصر الفراغ: عن جدلية غياب القوى ثورية وسطوة "المؤثر" في تونس ما بعد 25 جويلية.
فادي أحمد | ناشط سياسي تونسي

لقد أفرزت اللحظة السياسية الراهنة في تونس، وتحديداً منذ مسار 25 جويلية، تحولاً بنيوياً في موازين القوى السيادية؛ حيث تم سحب البساط من "الأحزاب الوظيفية" التي اقتاتت طويلاً على ريع الانتقال الديمقراطي الهش، وتفكك جزء من الهيمنة الناعمة لشبكات المال التقليدية و جزء من منظمات المجتمع المدني الوظيفية. غير أن هذا الفراغ الذي تركته القوى الكلاسيكية لم يمتلئ بالبديل الثوري المأمول، بل تحول إلى مساحة خالية انتصر فيها "الفراغ" نفسه، وتسلل إليها "مهرجون" جدد لا يملكون مشروعاً فكرياً، بل يملكون أدوات "الشاشة" وفهم سيكولوجيا الحشود.

•مفارقة الساحة المفتوحة والجمود الثوري

فتحت السلطة السياسية أبواب العمل الوطني والسيادي على مصراعيها، محطمةً قوالب الوساطة القديمة، لكن القوى الثورية والوطنية سقطت في فخ "العطالة التاريخية". وبدلاً من استعادة الساحة الشعبية، واجهت هذه المجموعات بروداً جماهيرياً ناتجاً عن تحولات اجتماعية عميقة لم تحسن قراءتها. لقد ظل الخطاب الثوري رهين القوالب الكلاسيكية، عاجزاً عن اختراق جدار الصمت الشعبي الذي أحدثته سنوات من الخيبات الاقتصادية.

•هيمنة "الرقمي" وتراجع الفكري

بينما انغمس المناضلون في نقاشات فكرية نخبوية، فهمت "الوجوه المؤثرة" الجديدة (التي برزت من العدم وبلا تكوين سياسي و بخلفيات انتهازية) طبيعة العصر. لقد أدركت هذه المجموعات الانتهازية أن "السلطة اليوم هي سلطة الشاشة"، فاستغلت العمل الرقمي المكثف للوصول إلى العقل الجمعي البسيط.
النتيجة تمثلت في تحول "المؤثر" إلى مصدر شبه رسمي للمعلومة وموجّه للرأي العام، في مقابل عجز القوى الثورية عن "الرقمنة" وفهم آليات الانتشار الجماهيري الحديثة.

•زخم "السابع من أكتوبر" والفرصة المهدرة

جاءت ملحمة السابع من أكتوبر لتعيد ضخ الدماء في العروق الوطنية، وساهمت السلطة في توفير مناخ من الحرية المطلقة لدعم المقاومة، مما خلق زخماً شعبياً كان من المفترض أن يكون قاطرة لتشكل "نواة صلبة" سيادية.
ورغم نقاط الالتقاء الجوهرية بين السلطة وهذه القوى الصاعدة، إلا أن العلاقة ظلت محكومة بالتوتر والهشاشة، مما فوت فرصة تاريخية للالتحام في مشروع وطني جامع يواجه التدخلات الخارجية.

•نحو بناء الكتلة السيادية الصلبة

إن استمرار حالة التشتت بين جزء وطني في السلطة والقوى الثورية الحقيقية لا يخدم إلا الأطراف المتربصة بالسيادة الوطنية، تلك التي تجد في الانقسامات الداخلية وفي الصراعات الثانوية أرضية مناسبة لإعادة إنتاج أشكال الهيمنة القديمة بوسائل جديدة. غياب كل هذا يحول دون تشكل كتلة تاريخية قادرة على حماية المجال الوطني من الضغوط الخارجية ومن محاولات الاختراق الناعمة التي لم تتوقف رغم تغير السياقات.

إن اللحظة السياسية الراهنة تفرض تجاوز الخلافات الهامشية والانطلاق نحو بلورة مشروع جامع يرتكز على هدف أسمى يتمثل في تثبيت السيادة الوطنية كإطار ناظم لكل الخيارات السياسية والاقتصادية والثقافية. ويقتضي ذلك، أولاً، العمل على بناء نظام سيادي صلب قادر على مواجهة التغلغل الإمبريالي بمختلف أشكاله، سواء عبر أدوات الضغط الاقتصادية أو عبر شبكات النفوذ الإعلامي والمدني. كما يقتضي، ثانياً، تطوير أدوات المواجهة الرقمية واستيعاب منطق العصر الاتصالي الجديد، بما يسمح للقوى الوطنية باستعادة الفضاء العام من حالة الفراغ التي مكنت المؤثرين الانتهازيين من توجيه الرأي العام دون امتلاك مشروع فكري أو وطني واضح. أما ثالثاً، فإن التحدي الأهم يتمثل في تجسير الهوة بين التوجهات السيادية للدولة وبين الحراك الثوري الشعبي، عبر خلق قنوات تفاعل حقيقية تسمح بتحويل الزخم الشعبي إلى قوة منظمة قادرة على الإسناد والمبادرة في آن واحد.

بهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بمجرد تقارب ظرفي ، بل بضرورة تاريخية تفرضها طبيعة المرحلة، حيث يصبح بناء كتلة سيادية صلبة شرطاً أساسياً للخروج من حالة الفراغ السياسي، ولإعادة توجيه طاقات المجتمع نحو مشروع وطني جامع يحصّن السيادة ويمنحها قاعدة شعبية واعية وقادرة على الدفاع عنها.