لحظة الدولة التي آنت حتمًا: من شرعية الإنقاذ إلى ضرورة التأسيس الوطني
محمد مجد | باحث ماجستير و ناشط سياسي
في قلب العاصفة التي تضرب الإقليم العربي منذ أكثر من عقد، تبدو معركة الدولة الوطنية اليوم المعركة الأكثر حسماً. من ليبيا إلى سوريا، ومن العراق إلى السودان، يتكرر المشهد نفسه بأشكال مختلفة: إنهاك المؤسسات، تفكيك المجتمعات، ضرب مفهوم السيادة، وتحويل الأوطان إلى ساحات مفتوحة للتجاذبات الدولية والإقليمية. وفي هذا المناخ المضطرب، يصبح الحفاظ على الدولة الوطنية في تونس مهمة تتجاوز الحسابات السياسية اليومية، لتتحول إلى قضية وجود ومستقبل.
و في اللحظات الدقيقة من التاريخ، يصبح السؤال عن الدولة سؤالًا عن المصير نفسه. وتونس، وهي تواجه منذ سنوات واحدة من أعقد مراحلها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تجد نفسها اليوم أمام مفترق حقيقي: بين تثبيت الدولة الوطنية واستعادة قدرتها على الفعل، أو الانزلاق نحو مناخ التفكك والصراعات المفتوحة التي أحرقت غير بلد عربي تحت عناوين براقة وشعارات مستوردة.
ضمن هذا السياق، لا يمكن القفز على حقيقة سياسية ودستورية واضحة: رئيس الجمهورية قيس سعيّد وصل إلى السلطة عبر تفويض شعبي واسع، تجاوز 2.4 مليون صوت، وتكليفه يمتد دستوريًا إلى سنة 2029. ومحاولة نسف هذه الحقيقة خارج الآليات الديمقراطية والقانونية لا تعني فقط استهداف شخص الرئيس، وإنما فتح الباب أمام منطق “الشرعيات المتنازعة” الذي شكّل في أكثر من ساحة عربية المدخل الطبيعي للتدخلات الأجنبية والحروب الناعمة وإعادة هندسة الدول من الداخل.
تونس ليست معزولة عن هذا المناخ الإقليمي. فالمنطقة بأكملها تعيش منذ سنوات تحت ضغط مشاريع تفكيك كبرى، تستهدف الدولة الوطنية ومفهوم السيادة ذاته، عبر إنهاك المؤسسات، وتغذية الانقسامات، وتحويل المجتمعات إلى جزر سياسية متصارعة يسهل التحكم بها خارجيًا. ومن يعتقد أن الدفع بالبلاد نحو هذا النوع من الصراع يمكن أن يبقى داخل حدود السجال المحلي، يتجاهل ما جرى ويجري حولنا، من المشرق إلى المغرب.
لكن الدفاع عن استقرار الدولة لا يعني أبدًا مصادرة الحق في النقد أو تخوين المعارضين أو تحويل السياسة إلى طقس ولاء جماعي. فالنقد الجدي مسؤولية وطنية و واجب، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأداء السلطة وقدرتها على إدارة الملفات الاقتصادية والاجتماعية والسيادية. قيمة أي تجربة سياسية تُقاس بما تبنيه من مؤسسات وما تؤسسه من استمرارية، لا بحجم الخطاب العاطفي الذي يرافقها ولا بصورة الزعيم في المخيال الشعبي.
وهنا تحديدًا تظهر إحدى العقد التاريخية المزمنة في التجربة التونسية والعربية عمومًا: ربط مصير الدولة بالأفراد، بدل بناء نخبة وطنية متجددة تمتلك القدرة على الاستمرار وتداول المسؤولية ضمن مشروع سيادي واضح المعالم. فالدول التي تنهض فعليًا ليست تلك التي تنتج “الرجل المنقذ” لوحده، وإنما تلك التي تنتج مدرسة سياسية كاملة، قادرة على حماية خياراتها الوطنية مهما تغيّرت الوجوه والظروف.
الأخطر أن جزءًا من البيئة المتسربة إلى محيط أجهزة الدولة تساهم عمليًا في إضعاف أي إمكانية لبناء هذا المسار. جوقة التملق التي تلاحق كل سلطة في أمتنا العربية لا تدافع عن المشاريع الوطنية، بل هي عدوها الاول، بقدر ما تدافع عن مواقعها داخل الدولة العميقة. هؤلاء يمتلكون قدرة هائلة على تغيير الأقنعة والخطابات والتكيف مع موازين القوى الجديدة، ثم التسلل إلى أي مشروع وطني لإفراغه من مضمونه وتحويله إلى نسخة أخرى من النظام الذي ادّعى تجاوزه.
الهجوم المنظم على كل صوت ناقد، وتقديس الأشخاص، وتحويل السياسة إلى ولاء أعمى، لا يحصّن الدولة و لا المشروع الوطني الذي يتبناه رأس السلطة فيها، وإنما يجرّدها من أهم أدوات المناعة: النقد والتصحيح والمراجعة. وعندما تُخنق الحياة السياسية ويُدفع الناس إلى الاصطفاف بين التقديس المطلق من جوقة المتملقين والعداء المطلق المصاغ في عواصم الآخرين، تصبح البلاد رهينة انفعالات جماهيرية متقلبة، فاقدة لأي أفق استراتيجي طويل المدى، غير مشروع الهدم المنظم.
لهذا، فإن القضية الجوهرية اليوم لا تتعلق برئيس الجمهورية قيس سعيّد كشخص أو بخصومه، وإنما بالسؤال الأعمق حول ما يتبناه رأس السلطة التنفيذية اليوم من مضامين و بمن يحمل هذا المشروع الوطني بشكل مؤسسي؟ ثم من يضمن استمرارية فكرة السيادة الوطنية والدولة الاجتماعية واستقلال القرار الوطني؟ ومن يمتلك القدرة على بناء توازن تاريخي جديد يفتح أفقًا حقيقيًا أمام الشباب التونسي الذي يعيش واقع مرير على المستوى الاقتصادي و فقدان معنى الانتماء؟
تونس لا تعاني نقصًا في الكفاءات الوطنية، يمكن الحسم أن المشكلة ليست هنا، فداخل هذا البلد طاقات سياسية وفكرية وإدارية قادرة على إدارة الدولة بجدارة، وتمتلك حسًا سياديًا عاليًا وفهمًا عميقًا للتحولات الدولية والإقليمية.
لكن ما ينقصنا حقا، قدرة مؤسسية منظمة على توجيه هاته الطاقات لخدمة وطنها حقا، بما يراكم لمستقبل أفضل.
غير أن جزءًا كبيرًا من هذه الكفاءات يُقصى أو يُغمر عمدًا، لصالح إعادة تدوير نفس الوجوه والشبكات والعلاقات التي أوصلت البلاد إلى الانهاك الحالي.
المطلوب اليوم من القوى الوطنية الجدية أن تغادر منطق المعارك العبثية والشخصنة اليومية كما أن تحسم موقفها و بحزم في كل ارتباط بمشاريع الآخرين على أرضنا، وأن تبدأ ببناء مشروع سياسي متكامل: مشروع يربط السيادة بالتنمية، والاستقلال الوطني بالعدالة الاجتماعية، والدولة القوية بفتح المجال أمام الكفاءات والشباب.
مشروع يمتلك أدوات التنظيم والإعلام والتأطير الشعبي، ويستطيع تحويل المزاج الوطني العام إلى قوة تاريخية منتجة، لا إلى مجرد ردود فعل موسمية.
إن المبادرة الشجاعة التي رافقت لحظة 25 جويلية، في القطع مع حكم الآخرين على أرضنا، مهددة بالفشل كغيرها من المبادرات الشجاعة على امتداد تاريخ أمتنا، إن لم يبذل كل الجهد في تحويلها إلى فعل مؤسسي جماعي ينتج النخبة الوطنية و يجمع حولها طاقة شباب البلاد العظيمة نحو السيادة و الكرامة.
يجب أن نكون أشداء على أنفسنا في القول أن الدول لا تُحمى بالنيات الحسنة وحدها، ولا تستمر بقوة الرموز مهما كانت شعبيتها و صدقيتها تجاه مشروعها.
وإنما ببناء مؤسسات راسخة، ونخب متجددة، وقدرة دائمة على إنتاج البدائل الوطنية من داخل المجتمع نفسه. وفي أمة عربية يُعاد تشكيلها بالنار والديون والفوضى، تصبح هذه المهمة مسألة وجود قد آنت لحظتها حتما.