جنائز البشر... والحجر؟
انطوانيت نمّور | مهندسة ومحاضِرة جامعية لبنانية
تهب رياح التغيير على جنوب لبنان اليوم. فالإنسان والذاكرة والمكان تحت الركام، ولم يتم الاكتفاء بتهجير الناس بل تُقتل الأماكن التي كانت تحفظ أرواحهم من التبعثر. في جنوب لبنان، يسقط مع الحجر مداميك العمر. فهناك تسقط النوافذ التي كانت تحفظ ضحكات الأمهات، والأبواب التي عبر منها العائدون كل مساء، والساحات التي كانت تعرف أهلها بالأسماء.
المدن حين تُدمر، ينزف الإنسان معها في كل شبر. المدينة ليست مجرد تراب مرصوف بالحجارة، بل ذاكرة تعلمت كيف تسكن أرضاً. ولهذا التدمير اسم يعرفه المهندسون والحقوقيون والمؤرخون: إنها "الإبادة العمرانية" (Urbicide) أي قتل المدن، لا كتجمع أبنية، بل كمكوّن يحمل الذاكرة الجماعية.
فالمدينة هي قلب الجماعة المحتضنة سكانها بين رنين جرسٍ وصوت مؤذنٍ يعبر المدى كأنه يربط الأرض بالسماء، هي الأسواق النابضة بالحياة وأيضاً المدافن الهادئة التي ينام فيها الأجداد. وحين تسحق المدن، لا يُطفأ الضوء فوق نوافذها فحسب، بل تنطفئ حكايات كانت تُروى، وتخفت أصوات كانت تُسمع، وتضيع وجوه كانت تعرف طريقها إلى بيوتها.
التخريب طال صور، المدينة العريقة، التي تقف اليوم بين الجراح المفتوحة. استهداف تراثها هو تمزيق لكتاب الإنسانية. فهي التي فتحت صفحات من كتب التاريخ وأقفلتها: من الفينيقيين والرومان وغابر الزمان، بحرها الواسع المدى قد تعلّم منذ آلاف السنين كيف يصادق مرور الأيام ويبقى مرفوع الجبين. ولم يسلم سوق النبطية العتيق من يد التخريب: ذاكرة كانت تمشي بين الناس تمحى اليوم بخسارة لا تقاس تمتد إلى المسجد الكبير في بنت جبيل لتصل إلى بلدات مثل يارون. هناك، حيث لم تكن الكنائس مجرد جدران، بل شموعًا مضاءة في وجدان الجنوب، وآيات تدل على أن الأرض كانت تتسع للجميع في نسيج مختلف لكن متجانس.
إن أخطر ما يحدث هنا ليس دمار الحجر، بل دمار المعنى الذي يربط البشر. الإنسان يستطيع أن يبني بيتاً جديداً، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يبني ذاكرة جديدة. والمدن القديمة قيّمة لأنها تحمل داخلها أعمار الذين مروا فيها.
والقانون الدولي يحمي قيمة المدن. اتفاقيات جنيف تقول إن للحياة المدنية قدسية، وأن استهداف البنى المدنية والتراث الثقافي لا يمكن تبريره إلا ضمن أضيق حدود الضرورة العسكرية والتناسب. كما تحمي اتفاقية لاهاي لعام 1954 المواقع الثقافية والدينية أثناء النزاعات المسلحة. المأساة إذاً ليست في غياب القانون، بل في غياب الضمير الذي يوقظه. لأن العالم حين يعتاد رؤية المدن وهي تُمحى، يبدأ تدريجياً بفقدان حساسيته تجاه الإنسان نفسه. وحين تتحول القرى إلى خرائط من الركام، تصبح الذاكرة البشرية كلها مهددة مع مرور الأيام.
لهذا، اليوم أمام كل مسؤول، لم يعد السؤال: هل تستحق المدن أن ندافع عنها؟ بل: هل نستحق نحن أن ندّعي الإنسانية، إن بقينا على حدود الصمت نشهد هذا الكم من الموت وكأن الأمر لا يعنينا؟!