تامر المسحال: "قطر" أولاً وأخيراً.. بروباغندا التحقيق في عباءة القضية
فادي أحمد | ناشط سياسي تونسي
في أروقة الصحافة العربية المعاصرة، يبرز اسم تامر المسحال كشخصية إعلامية لم تكن وليدة الصدفة المهنية المجردة، بل هي نتاج هندسة دقيقة وممنهجة حولت مراسلاً ميدانياً صاعداً من أزقة غزة المكلومة إلى واحد من أهم الأذرع الناعمة، والخشنة أحياناً، للسياسة الخارجية القطرية.
وتحت شعار برنامجه "ما خفي أعظم" ووثائقياته السابقة، لم يعد المسحال مجرد صحفي يبحث عن الحقيقة المجرّدة بين ركام المعارك، ليتحول إلى رأس حربة في صراعات الدوحة الإقليمية، مستخدماً القضية الفلسطينية كستار أخلاقي وشعوري لتمرير أجندات سياسية بالغة التعقيد، تخدم التوجهات القطرية في المقام الأول وتطوع العاطفة الشعبية لصالح الرؤية الرسمية للدولة المضيفة.
لقد بدأت مسيرة المسحال المهنية في قطاع غزة، حيث اكتسب شرعيته من رحم المعاناة الفلسطينية المباشرة، وهو ما منحه رصيداً ضخماً من الثقة والمصداقية لدى الجمهور العربي العريض الذي يرى في مراسل الميدان صوتاً للمظلومين. غير أن الانتقال من غزة إلى الدوحة لم يكن مجرد تغيير في الموقع الجغرافي أو ارتقاء وظيفي، إنما كان تحولاً بنيوياً جذرياً في العقيدة المهنية والرسالة الإعلامية. ففي الدوحة، أُعيدت صياغة شخصية المسحال ليكون واجهة لمشروع إعلامي يتجاوز نقل الخبر إلى صناعة الرواية الموجهة. هناك، لم يعد المسحال "صوت غزة" المنحاز للإنسان، بل أصبح صدىً للسياسة القطرية، حيث سُخرت له إمكانيات تقنية ولوجستية ومعلوماتية هائلة لا لهدف كشف الحقائق التي تخدم الوعي العربي، انما لصياغة ملفات استقصائية تظهر دائماً في توقيتات سياسية حساسة لضرب خصوم الدوحة وتقويض رواياتهم.
وعبر برنامجه الاستقصائي، نجح المسحال في تقديم مادة إعلامية مغلفة بإتقان بأحقية القضية الفلسطينية والهم العربي العام، لكن فحص المحتوى بعين ناقدة يكشف بوضوح أنها جهد استخباراتي إعلامي يصب في جوهره لصالح الرواية القطرية حصراً.
لقد تحولت تحقيقاته إلى سيف مسلط على رقاب خصوم الدوحة، حيث يتم استخدام الحبكة الدرامية والتقنيات السينمائية العالية للسيطرة على عواطف المشاهد وتوجيه وعيه نحو نتائج مسبقة الصب. وتعتمد هذه البرامج على انتقائية شديدة تسلط الضوء على أنصاف حقائق تخدم الهجوم السياسي، مما يجعل من الحق العربي الفلسطيني مجرد جسر عبور لتصفية حسابات سياسية لا علاقة للقضية بها من قريب أو بعيد.
ولا تنتهي مهمة المسحال بانتهاء وقت البرنامج على الشاشة، فحينها تبدأ المرحلة الأكثر خطورة وتأثيراً عبر الفضاء الرقمي، حيث تعمل شبكات الذباب الإلكتروني المرتبطة بالدوحة على تلقف روايات المسحال ومقاطعه المصورة لتحويلها إلى حملات تشويه منظمة و"تريندات" تجتاح منصات التواصل الاجتماعي. وتُستغل هذه التحقيقات المحبوكة كنقاط انطلاق لشن هجمات دعائية تستهدف تفتيت الجبهات الداخلية للدول المنافسة لقطر أو غير الخاضعة لسياساتها، مما يجعل من عمل المسحال حلقة وصل أساسية في منظومة الحرب الهجينة. وفي نهاية المطاف، يبقى تامر المسحال نموذجاً للصحفي الذي استبدل متاعب البحث عن الحقيقة بمكاسب الولاء المطلق للسلطان، مؤكداً أن بوصلته المهنية لا تتجه صوب القدس إلا إذا كانت الدوحة ترى في ذلك مصلحة آنية، لتصبح الصحافة في عهده وسيلة لترسيخ "قطر أولاً وأخيراً".