نعم للمقاطعة من أجل استقلالية الرابطة وتحصينها ضد الابراهيمية الثقافية
د. موفق محادين
ابتداءً؛ وقبل كل شيء، فإن ممارسة النقد والنقد الذاتي بحق الجميع من الرابطة، الاتجاهات والتيارات وغير المنضوين في إطارها، امر مهم وضروري وطبيعي، وبدونه تتحول الرابطة إلى بحيرة راكدة تحيط بها الطحالب من كل جانب، وتدمجها بل وتلحقها بنادي الأيراهيمية الثقافية المتصهينة.
إلا أن هذا النقد الضروري لا يجوز أن يتحول إلى معاول لهدم أهم صرح ثقافي في بلدنا وأحد أهم الصروح الثقافية العربية، حيث احتلت الرابطة مكانة مرموقة على الصعيد العربي بفضل رسالتها ومواقفها والأهم بفضل استقلاليتها التي ميزتها عن غالبية الهيئات العربية المماثلة، وحيث تحاول جهات من خارج الرابطة الاطباق عليها وإفراغها من تاريخها ومضمونها المذكور، وإلحاقها بنادي الهيئات المروضة ومواقفها الرخوة إزاء الحرية والسوية الثقافية والتطبيع مع العدو الصهيوني.
ما سبق سبب كافٍ للدفاع عن استقلال الرابطة واستخدام كل الأشكال المتاحة، وبسقف ثقافي شجاع يليق بزيت القنديل المعرفي الذي تمثله.
وبعد؛
1: أكدت التعليقات المتباينة الأخيرة عن بيان تيار القدس الثقافي ودعوته لمقاطعة الانتخابات المقبلة، حرص الجميع على مقاربات واضحة وموضوعية، منسجمة مع التيار وتقاليده، بل ومع مصلحة الرابطة والثقافة عمومًا، كما مع مصالح شعبنا وأمتنا وبلدنا الحبيب.
وقد لاحظت أن بعض هذه المقاربات ليس في الصورة تمامًا، سواء بخصوص حيثيات المقاطعة، أو فيما يخص الأمانة العامة ورئيسها الزميل محمد أبوعريضة، أكثرنا ديناميكية والتزامًا، ولا يجوز تناول المواقف والبيانات الأخيرة للتيار كما لو أنها صادرة عنه شخصيًا، فقرار المقاطعة وغيره من مواقف وبيانات، حظيت بأغلبية الأمانة العامة المنتخبة في مؤتمر حضرة أكثر من خمسين زميلًا من أعضاء التيار، والمكلفة باتخاذ القرارات وإجراء الاتصالات ونسج التفاهمات على قاعدة الورقة التأسيسية للتيار.
أما فيما يخص قرار المقاطعة؛ فلم يكن قرارًا عشوائيًا أو متسرعًا أو كيفما اتفق، أو نتاج حسبة انتخابية ناجمة عن الضغوط الخارجية التي حاولت بعض التعليقات التقليل منها، بنوايا حسنة أو سيئة. ونجحت تلك الضغوط بإفشال مبادرة توحيد التيارات التي أطلقها الدكتور يوسف ربابعة والزميل جهاد أبوحشيش وآخرون.
ولقد شهد اجتماع الأمانة العامة الذي اتخذ فيه قرار المقاطعة نقاشات صريحة أكثر سخونة من كل التعليقات التالية، ولم يترك الاجتماع شاردة ولا واردة لم يتفحصها، ويأخذها بعين الاعتبار، ومن ذلك أيضًا التواصل مع الزملاء في مبادرة التوحيد ومن كل الاتجاهات والتيارات، فهدفنا كان ولا يزال "الكرمة" وليس استفزاز الناطور، حيث لا يسمح حال الرابطة ولا حال البلد بأي مزاودة أو مراهقة على هذا الصعيد.
كما يعرف النقابيون المخضرمون أن المقاطعة أو الاعتصامات في إطار الدستور، سلاح مشروع ومجرب ومحدود في وظيفته من حيث الزمان والمكان، ويصبح ضروريًا في حالات محددة مثل الحالة التي تمر بها الرابطة في هذه الأيام، وما عداه مواربات وتسويفات لا قيمة ولا معنى لها، ولذلك حين لجأنا إلى المقاطعة، فليس من أجل إسقاط وزير أو مسؤول والتدخل في شؤونهم وواجباتهم، بل من أجل رفع التدخل عنا وعن واجباتنا في رابطة الكتاب وعن الشؤون الثقافية والديموقراطية الخاصة بنا، كما كفلتها المادة 15 من دستور بلدنا.
2: لا يحتاج أي مثقف لسقف من الاسمنت أو جدران مرخصة حتى يكتب ويبدع وينشر، وهذه حقيقة لا خلاف حولها، ونعرف أن مبدعين كبار فضلوا الفضاء الحر على أي إطار منظم، وكما هو معروف أن مثقفين اختاروا الشعار الليبرالي الإشكالي الذي يتوهم حيادية النص وانعزاله عن السياقات الاجتماعية والمدنية والسياسية، ولم يتحروا جيدًا حدود "الهَجنة" المزعومة لأدب ما بعد الكولونيالية عند "هومي بابا" و"سيزار" و"نايبول" وغيرهم، فتحولوا باسم ما بعد الحداثة إلى ظواهر عدمية على هامش المركزية الثقافية في المتروبولات الرأسمالية.
في المقابل؛ فإن المثقف العضوي يحتاج إلى سياق مختلف للتعبير عن نفسه، ووعن ميوله الفكرية، وذلك بالاشتباك مع الواقع الاجتماعي من حوله ومن الصعب تخيل هذا السياق بدون إطار محدد، مثل رابطة الكتّاب الأردنيين، لكنه في الوقت نفسه مطالب بالحد الأدنى من الشراكة بالمعنى الثقافي غير المُروض وغير الرخيص.
انطلاقًا من الخيار المذكور، الذي تعلمناه من غالب هلسا وغسان كنفاني وتيسير السبول وغيرهم، وُلد تيار القدس، كتيار أدبي – فكري يسعى للارتقاء الدائم بالذائقة الأدبية والعقل النقدي ويرفض في الوقت نفسه الأبراج العاجية للمثقف "المُختال"، ويدعو للتفاعل مع الشأن العام في قضاياه المختلفة، الديموقراطية والاجتماعية والوطنية، لكن بأدوات الثقافة والمثقف.
3: عندما نربط "المعركة" الثقافية ضد "المنصة" وإملاءاتها، بالمنطق الثقافي والوطني الذي يليق بعضو الرابطة، فذلك ما يعطينا ويمنحنا ويمنح الرابطة شرعية الرسالة التي تأسست من اجلها، فلا نبيع قضية "الحرية"، ولا واجبنا في مقاومة سردية العدو الصهيوني وداعميه الإمبرياليين من أجل قراءة قصيدة وحسب أو النشر في مجلة الوزارة أو أجرة المقر وتأمين صحي من الدرجة الثالثة، بل أن "المنصة" كما جربناها تسببت في إحداث شرخ داخل الهيئة الإدارية، هي صورة عن جدران "إبي الخيزران" في رواية غسان كنفاني "رجال في الشمس"، وصورة عن قفص "النمور في اليوم العاشر" لزكريا تامر، وعن غرفة الترويض السوداء في عالم الأخ الكبير في رواية اورويل 1984.
لهذا نقاطع ونصر على المقاطعة، لأننا بين خيارين، الترويض المذكور، أو رفع الصوت وقرع الجدران، ولا نُلزم أحدًا غيرنا بذلك.
4: بالمحصلة؛ نكرر التمييز بين المنصة كأرشيف لتوثيق نشاطات الرابطة، ولغايات التقارير السنوية لها، وبين رفض إخضاع فعاليات الرابطة لأية إملاءات خارجية، ونعتبر ذلك حقًا أساسيًا غير قابل للمساومة، ويستحق العناء والثبات من أجله، كما ندعو للحفاظ على مكانة الرابطة واحترام وصون الإرث المشرف الذي صنعته أجيال وأجيال من مبدعي بلدنا.