مسيّرات الـFPV: كيف أسقط حزب الله «منطقة الأمان» الصهيونية؟
محمد صادق اليحياوي | باحث في العلوم السياسية
مرةً أخرى، تكشف تطورات الميدان في جنوب لبنان هشاشة المفاهيم العملياتية التي حاول جيش العدو الصهيوني تسويقها باعتبارها «إنجازات استراتيجية» قادرة على تعديل معادلات الاشتباك. فالحملة البرية التي أطلقها العدو تحت عنوان إنشاء «منطقة خالية من الصواريخ المضادة للدروع» لم تكن في جوهرها سوى محاولة لإعادة إنتاج نموذج الحزام الأمني بصيغة تقنية جديدة، هدفها إبعاد تهديد المقاومة عن الحافة الحدودية وتأمين هامش أوسع لحركة قوات الاحتلال ومستوطنيه.
غير أنّ إدخال حزب الله لمسيّرات الـFPV العاملة بتقنية الـFiber Optic أطاح بهذه المقاربة، وأسقط فعليًا القيمة العسكرية للمفهوم الصهيوني برمّته. فالمواجهة لم تعد محصورة بمنع المقاومة من استخدام الصواريخ الموجّهة ضمن نطاق جغرافي محدد، إذ باتت المقاومة تمتلك قدرة هجومية مرنة تتجاوز قيود التماس الحدودي، وتمنحها إمكانية تنفيذ ضربات دقيقة وعميقة بكلفة تشغيلية منخفضة نسبيًا.
تكمن أهمية هذا التحول في أنّ مسيّرات الـFPV لا تؤدي وظيفة تكتيكية ضيقة مرتبطة باستهداف آلية أو مجموعة جنود فحسب، إذ تحولت إلى أداة استنزاف عملياتي متكاملة. فهذه المسيّرات الصغيرة والسريعة وذات البصمة الرادارية المنخفضة تفرض بيئة تهديد دائم يصعب على جيش العدو احتواؤها عبر الوسائط الدفاعية التقليدية. كما أنّ اعتماد بعضها على تقنيات الاتصال عبر الألياف البصرية يحدّ من فعالية الحرب الإلكترونية الصهيونية، ويقلّص قدرة التشويش والإعاقة التي شكّلت إحدى ركائز العقيدة الدفاعية للعدو في مواجهة المسيّرات خلال السنوات الأخيرة.
وعليه، فقدت العملية التي حاولت "تل أبيب" تقديمها بوصفها «تطهيرًا للشريط الحدودي» معناها العسكري بصورة متسارعة. إذ باتت المقاومة قادرة على تجاوز الحافة التي سعى العدو إلى تحصينها، واستهداف ما يقع خلفها من مواقع قيادة وبطاريات مدفعية وتجمعات لوجستية وحتى مساحات داخل المستوطنات الشمالية. وهكذا تحولت «منطقة الأمان» التي أرادها العدو إلى مساحة مكشوفة أمام نيران منخفضة الكلفة وعالية الفعالية.
أما المأزق الأعمق بالنسبة إلى المؤسسة العسكرية الصهيونية، فيتجاوز الخسائر المادية المباشرة ليطال البعد النفسي ـ العملياتي. فانتشار هذا النوع من التهديدات يفرض على الجنود الصهاينة حالة استنزاف ذهني دائم قائمة على توقع الاستهداف في أي لحظة. وفي العلوم العسكرية، يُعدّ هذا النوع من الضغط المتواصل عاملًا حاسمًا في تقويض الكفاءة القتالية، نتيجة ما يفرضه من تقييد لحرية الحركة وإبطاء لعملية اتخاذ القرار وإضعاف لثقة الوحدات بقدرتها على العمل داخل بيئة مستقرة وآمنة.
بهذا المعنى، لا يقتصر فعل حزب الله على تعطيل مفاعيل الإنجاز الذي أعلن عنه جيش العدو، إذ يفرض أيضًا انتقال المواجهة إلى طور جديد عنوانه كسر الاحتكار الصهيوني للتفوّق التكنولوجي. فالمعادلة الناشئة اليوم تُظهر أنّ أدوات قتالية زهيدة نسبيًا، حين تُدمج ضمن عقيدة عملياتية مرنة، تستطيع تقويض مشاريع عسكرية كاملة بُنيت بكلفة سياسية وأمنية مرتفعة.
إنها حرب استنزاف من نمط مختلف، تعتمد فيها المقاومة على الابتكار التكتيكي لتفكيك البنية النفسية والعملياتية لجيش العدو، وتحويل المجال الحدودي الذي أراده العدو فضاءً آمنًا ومعزولًا إلى ساحة تهديد مفتوحة.