من السويس الى هرمز : لحظة العجز الامبراطوري ...
عبدالكريم مسعود
كاتب عربي ليبي
ليست كل الحروب سواء، وبعضها لا يُقاس بنتائجه المباشرة بل بما يكشفه من حدود القوة نفسها. في السويس لم يكن جمال عبد الناصر أقوى من خصومه، لكنه واجه إمبراطوريات كانت قد بدأت تفقد قدرتها على الحسم. لم يهزمها عسكريًا بقدر ما عرّى عجزها، وحوّل صموده إلى إعلان مبكر أن زمن السيطرة المطلقة قد بدأ يتآكل.
لم يكن السد العالي مجرد مشروع، بل شرارة الصدام. أما الحقيقة فكانت أعمق: شعب يحاول أن ينتزع موقعه من عالم بُني على نهبه. لذلك خرج ناصر من المعركة أكبر، لأن الإمبراطورية تراجعت، لا لأنها هُزمت فقط، بل لأنها لم تعد قادرة على أن تنتصر كما كانت تفعل.
لم يتوقف أثر السويس عند حدود مصر، بل سرعان ما تحوّل فائض القوة إلى موجة سياسية اجتاحت الإقليم. لم يكن ناصر يملك جيوشًا تحتل العواصم، لكنه كان يمتلك ما هو أخطر: لحظة تاريخية تدفع الآخرين إلى إعادة التموضع. من اليمن إلى الجزائر تمدد حضوره، وجاءته الشام تطلب الوحدة، وسقط أمامه عرش العراق الهاشمي، واهتزت عروش الخليج على وقع صوته لا على وقع دباباته. تلك لم تكن صدفة، بل نتيجة مباشرة لانكشاف عجز الإمبراطوريات القديمة، وفتح المجال أمام قوة صاعدة لتملأ الفراغ.
اليوم، يتكرر المشهد، لكن على مستوى أوسع. إذا فشلت الولايات المتحدة وإسرائيل في كسر إيران، وإذا استطاعت هذه الأخيرة أن تفرض معادلة تمتد من هرمز إلى باب المندب، فنحن لا نكون أمام أزمة إقليمية، بل أمام لحظة انكشاف جديدة: الإمبراطورية لم تعد قادرة على فرض إرادتها.
كل ما سيحدث بعد ذلك سيكون نتيجة طبيعية. سيتولد فائض قوة، ليس لأنه صُنع محليًا فقط، بل لأن الإمبراطورية نفسها تنتج هذا الفائض من خلال عجزها. كل صاروخ تطلقه يزيد دينها، وكل حرب تخوضها تقرّب لحظة اختناقها. هي تحارب لتبقى، لكنها بذلك تسرّع سقوطها.
في المقابل، خصمها لا يحتاج أن ينتصر بالمعنى التقليدي. يكفيه أن يصمد. يكفيه أن يحوّل الحصار إلى أداة، والتقشف إلى سلاح. هنا تنقلب المعادلة: الغني يصبح أسير كلفته، والفقير يتحرر من عبئها.
وعند هذه النقطة تحديدًا، لا يتوقف الأمر عند حدود الصمود العسكري، بل يبدأ التحول السياسي الأوسع. كما أعادت السويس تشكيل الإقليم على إيقاع صعود ناصر، فإن أي صمود إيراني من هذا النوع سيدفع المنطقة إلى إعادة تموضع شاملة. التمدد لن يكون مجرد نفوذ، بل إعادة صياغة لشبكة العلاقات والتحالفات. لن يسلك هذا التمدد المسارات التي رسمتها عقود الهيمنة الغربية، ولن يعترف بالهندسة السياسية التي كرّستها اتفاقيات مثل كامب ديفيد، ولا بالمسارات الإبراهيمية التي حاولت إعادة ترتيب المنطقة تحت سقف واحد. ما سيتشكل سيكون خارج هذا الإطار: أحلاف تنشأ من ميزان القوة لا من نصوص الاتفاقات، ومن منطق الصراع لا من أوهام التسوية.
هذا ليس تفصيلًا عسكريًا، بل قانون تاريخي بدأ يعمل بوضوح. الإمبراطورية التي بُنيت على النهب لا تستطيع أن تعيش في عالم يفرض عليها أن تدفع كلفة هيمنتها. وعندما تصل إلى هذه النقطة، يصبح كل تقدم لها مقامرة، وكل تراجع بداية تفكك.
لذلك، فإن السؤال لم يعد: هل ستنتصر إيران؟
السؤال الحقيقي: هل تستطيع الإمبراطورية أن تتجنب الهزيمة؟
والجواب، كما تشير الوقائع، هو أنها لا تستطيع. لأنها لكي تبقى، يجب أن تنتصر. ولكي تنتصر، يجب أن تحسم. وهي لم تعد قادرة على الحسم.
هنا يبدأ طور جديد: ليس لأن الشرق اكتمل نهوضه، بل لأن الغرب استنفد قدرته على فرض نفسه. وبين الاثنين، تُفتح نافذة تاريخية للشعوب التي عاشت قرونًا في موقع المنهوب.
لكن هذه النافذة، مهما بدت واسعة، ليست قدرًا مضمونًا. فهي لا تُفتح إلا لتُختبر: إما أن تتحول إلى مسار تحرر فعلي، أو إلى جولة جديدة داخل نفس البنية بأدوات مختلفة. وبين الاحتمالين، لا يحسم الشعور ولا الخطاب، بل ما يُبنى على الأرض.
لهذا، فإن ما يبدو اليوم بداية نهاية، قد يكون في الوقت نفسه بداية صراع أطول. لكن المؤكد أن الإمبراطورية، كما عرفناها، لم تعد قادرة على الاستمرار بالشكل نفسه… وأن لحظة انكشافها لم تعد احتمالًا، بل واقعًا يتشكل أمام أعيننا.