ماذا نشاهد في هذه الأيام الثقيلة: أكثر من 19 مسلسلاً تحترم عقولنا وتستحق المشاهدة

ماذا نشاهد في هذه الأيام الثقيلة: أكثر من 19 مسلسلاً تحترم عقولنا وتستحق المشاهدة
تهاني نصّار وعبدالرحمن جاسم

يعتبر كثيرون في الوطن العربي بأن المسلسلات هي مجرّد إضاعة للوقت، لكن إخوتهم الأتراك، جيرانهم، اعتقدوا غير ذلك، وهو نفسه ما اعتقده الغرب منذ عشرات السنين قبلهم فدفعوا ملايين الدولارات ولايزالون بغرض صناعة "ثقافة ظل" ترفدها المسلسلات والأفلام وتؤدلجها ناهيك عن سيطرة وكالة الاستخبارات الأميركية على هوليوود بشكلٍ علني ومباشر (يمكن مراجعة كتاب "وكالة المخابرات المركزية في هوليوود: كيف تشكل الوكالة السينما والتلفزيون"، The CIA in Hollywood: How the Agency Shapes Film and Television لتريسيا جينكنز حول هذا الأمر إذ إنها تشرح الأمر بالتفاصيل). يأتي المسلسل بمثابة بوابة الملكية للدخول إلى المجتمع دون استئذانٍ. يدخل المسلسل إلى عقول الناس، أفئدتهم، أفكارهم، ويغيّرها، ويلعب بها ويحوّلها كيفما يشاء. تغيّر الدراما التركية -مثالاً- تاريخ المنطقة بأكمله، فيصبح زعيم عصابةٍ لص قائداً مبجلاً عظيماً ليس مثله أحد، وتغيّر الدراما الغربية حروباً بقدّها وقديدها وتجعل الخاسر فائزاً، والبطل شريراً، والشرير بطلاً وهكذا. إنها وسيلةٌ جديدةٌ للتلاعب بالعقول، وتغيير المفاهيم. عربياً يمكن القول بأننا غبنا ولازلنا نغيب عن هذا الصراع القوي والعظيم، فمعظم رجالات السياسة والعسكر في بلادنا إلا قليلاً لا يعتقدون بأهمية هذا النوع من الفنون، باعتباره غير ذو تأثير. عسى أن يغيّر هذا المقال شيئاً من تلك العقليات، ولو أنني أعلم أنه لن يحصل. بالعودة لأصل المقالة المطوّلة، جاء اختيار العنوان أي بإضافة كلمة "أكثر" ذلك أننا اخترنا أكثر من عنوان مسلسلٍ واحدٍ لمؤلفٍ واحد، أما أصل إختيار المسلسلات فجاء حكماً من حيث أنّها "تحترم" عقل المشاهد قبل أي شيء. واحدة من ميزات جميع المسلسلات في اللائحة هو "قوة الحوار" لذلك لم نوردها ضمن سياق وصفنا لها، إذ إنها عامة. 

1- رباعية أسامة أنور عكاشة (ليالي الحلمية، أرابيسك، زيزينيا، الراية البيضا):

يعتبر أسامة أنور عكاشة والد الدراما المصرية الواعية، المحترمة، والتقنية في آنٍ معاً. لا يمكن مشاهدة أي من أعمال المثقف والكاتب المصري هذا دون الولوج في قلب العمل ودخول تفاصيل تفاصيله. تروي كل أعماله تقريباً جانباً من جوانب المجتمع المصري الذي أحبه عكاشة واعتبره حصنه الحصين الذي عليه تقديمه للمشاهدين بأفضل صورة ممكنة. اهتم عكاشة بالشخصيات المركزية/القاعدية وركز عليها، هو فهم أننا حضارة تحب أبطالها، ففتن هو كذلك بهم فمن العمدة سليمان غانم، والباشا سليم البدري ونازك السلحدار في رائعته ليالي الحلمية(1987 أول جزء، إخراج إسماعيل عبدالحافظ) التي شرّح فيها تاريخ مصر منذ أيام الملك فاروق وصولاً حتى عصر حسني مبارك بطريقةٍ تظهر الشارع المصري على حاله وعلاقة الطبقات ببعضها البعض. أما في أرابيسك(1994، إخراج جمال عبدالحميد) فنحنُ أمام عملٍ تقني ماهر، يقدّم شارعاً مصرياً في تسعينيات القرن الماضي، مصوراً المجتمع المصري الشعبي والراقي في آنٍ معاً في اختلاطٍ مميز، من خلال شخصية حسن أرابيسك المدهشة. أما زيزينيا(1997، إخراج جمال عبدالحميد)، فهي عودة للإسكندرية المدينة الساحلية التي عشقها عكاشة كثيراً، فقدم اختلاط المجتمع المصري مع الوافدين مثل الإيطاليين واليونانيين والأرمن وسواهم وكيف أنهم أضحوا جزءاً لا يتجزأ من نسيجها على الرغم من حفاظهم على أصالتهم. وحده الراية البيضا(2003، إخراج محمد فاضل) جاء مغايراً بعض الشيء، وإن ظل محافظاً على أصالة ما يقوله عكاشة، فقدّم الصراع بين الطبقات هذه المرّة بشكله الفج: البرجوازية الحادة التي تعبد "الموضة والترند" بمقابل الأصالة والمعنى من خلال صراع المعلّمة فضة المعداوي والسفير مفيد أبو الغار على فيلا يمتلكها الثاني. لم ينسى عكاشة نهائياً فعل "المـ قــ اومــ ة" نهائياً، فقدمه في كل أعماله من خلال الحديث عن مقاومة الأتراك/العثمانيين، الإنكليز، وحتى الاحتلال الصهيوني، وحتى وصولاً لتقديم حزب الله في واحد من مسلسلات بطريقة أقل ما يقال عنها أنها محترمة وتليق بالحزب الأصفر (من مسلسل "امرأة من زمن الحب"). احتفظ أسامة بممثليه الأثيرين يحيى الفخراني، وصلاح السعدني فأبدعا معه كثيراً. 

 

2- حديث الصباح والمساء (قصة نجيب محفوظ، سيناريو وحوار محسن زايد وإخراج أحمد صقر، 2001):

واحدة من الروائع المصرية سواء المكتوبة أو المصنوعة كفعل درامي. إننا هنا أمام عمل ممتد تاريخياً لعائلة تمر بها الأحداث الكبار من عصر الحملة الفرنسية على مصر والخديوية وصولاً إلى العصر الحديث. إننا أمام ثلاث أسر مصرية ممتدة تعيش حيوات معقدة للغاية يختلط فيها التصوّف، بالمتخيل، بالحقيقي، بالتاريخي، وحتى بأسطورة الشاطر حسن الذي يحب الأميرة ويتزوجها. فعلياً يمكن اعتبار هذا العمل أوّل عمل عربي بهذا الحجم والقوة يقدّم سيرةً تاريخية لكن خارج المقياس التاريخي المعتاد. ميزة هذا العمل الرئيسية أنه قدّم للدراما المصرية مجموعة من الممثلين أصبحوا لاحقاً من أسس الدراما المصرية مثل عبلة كامل، خالد النبوي، دلال عبدالعزيز، أحمد خليل، محمود الجندي، منّة شلبي، نيللي كريم، أحمد زاهر. نص مكتوب بعناية، وحتى بعد أن أصبح سيناريو وحوار وعمل ممثل تحم الحفاظ على أصل العمل وجذره، مع توثيق شديد الجمالية للتاريخ المصري. هذا العمل قدّم ليلى علوي كنجمة مرغوبة للغاية. 

 

3- المال والبنون (مسلسل بجزئين، كتابة محمد جلال عبدالقوي، إخراج مجدي أبو عميرة، 1992-1995):

دراما مصرية مصنوعة للتحدّث عن العائلة، إننا أمام عائلتين، إحداهما تختار الصواب والخير، فيما الثانية تختار الخطأ: كلا الأمرين حدث عبر مؤسسا هاتين العائلتين. يغوص المشاهد أمام مشكلتين رئيسيتين هما "المال" و "البنون" اللتين تعتبران "زينة الحياة الدنيا" بحسب الآية المقدّسة(الآية 46 من سورة الكهف)، يطرح المسلسل إشكالية أن تصبح هاتين النعمتين أشد الأزمات. إننا أمام نقاش شديد الأهمية حول الحلال والحرام وكيفية تغلغل الطمع والجشع الذي يغير النفوس والقلوب في آنٍ معاً، ويقلب الحال بين العوائل والأشقاء والأصدقاء. لا يطرح المسلسل الفكرة بشكلٍ عشوائي، أو لا منطقي، بل إنه يمشي بالأمر من الحلقة الأولى حتى نهايته. قد يعيب عليه البعض بأنه "كلاسيكي" أكثر من اللازم في العصر الحالي، لكن الإجابة تكمن في أمرٍ أشد بساطة: لم يصنعه مثله حتى اللحظة سواء عمقاً أو قيمةً أو قصة. تحسب للمسلسل أغنيته شديدة الجمالية "قالوا زمان" والتي كتبها الراحل سيد حجّاب وغناها علي الحجّار.

 

4- واحة الغروب (رواية لبهاء طاهر، وسياريو وحوار مريم نعوم وهالة الزغندي، إخراج كاملة أبو ذكرى، 2017):

رواية قوية ومسبوكة بعناية من أحد أهم الروائيين المصريين المعاصرين تغوص في عمق النفس البشرية قبل أي شيء. ضابطٌ في الجيش المصري (خالد النبوي) يحب سائحة إيرلندية (منّة شلبي) فيتزوجها ويأخذها إلى "منطقة خدمته الإلزامية" واحة في منطقة سيوة في نهاية القرن التاسع عشر، والتي أرسل إليها كعقاب له على تعاطفه مع ثورة أحمد عرابي. كاثرين الشغوفة بالآثار وزوجها محمود الذي يشعر بأنه قد نفي وتم القضاء عليه يعيشان صراعاتهما الشخصية، كما صراعات المنطقة التي تحكمها قواعدها الغريبة عليهم فضلاً عن طقسها وجغرافيتها وحيواناتها وحياتها. تكمن قوة المسلسل -كما الرواية- في طريقة تقديم الشخصيات بحيث لا يمكنك نهائياً أن تشير إلى أنَّ فلان هو شرير أو طيب، كل الشخصيات هي على الحدود، هذا من جهة، ومن جهة نجح المسلسل في تقديم الواحة كما هي دون تجميل، ودون تشويه، وهذا أمرٌ يحسب كثيراً خصوصاً أنها عرّفت المشاهدين على منطقة لا يعرفونها أبداً موجودة في مصر لكنها بعيدة كل البعد عن الدراما. هذا الدور أثبت كم يمتلك أحمد كمال(قدم دور الشيخ يحيى) من مهارة أدائية لم تستغل بعد.

5- بوابة الحلواني (مسلسل على أربعة أجزاء، كتابة محفوظ عبدالرحمن، إخراج إبراهيم الشقنقيري، 1992-2001):

يعتبر كثيرٌ من النقاد والمشاهدين بأن من لم يشاهد "بوابة الحلواني" فقد فاته كثيرٌ للتعرّف على الشارع المصري وشخصياته وتاريخه. فمن قصّة ألمظ (أدتها في المسلسل المطربة شيرين وجدي) وعبده الحمولي (أداه في المسلسل علي الحجار) قصّة أوّل ثنائي فني مصري في التاريخ الحديث، وصولاً إلى موضوع المسلسل الأهم بناء قناة السويس إبان عصر الخديوية فيما يجول زبانية الاحتلال من دي ليسبس(أدى دوره حسن كامي) المهندس الذي ركّب فكرة القناة، وصولاً حتى الضباط الإنكليز المعروفين الذي توالوا على مصر. إننا أمام العلاقة الملتبسة بين العائلات التركية والتي تعيش في مصر، وتستفيد من رزقها، لكنها تعتبر نفسها أرقى وأعظم، والعائلات العربية الأصلية -الصعيدية أو القاهرية-. إننا نشاهد الخديوي إسماعيل(أدى دوره محمد وفيق) ونعرف حكايا مصر الخديوية بالتفصيل، وكيف تتحرّك الأمور. أدت سمية الألفي واحداً من أروع أدوارها في شخصية الأميرة "أشرقت" والتي اعتبرت في تلك الفترة "معشوقة المشاهدين".

6- رمضان كريم (كتابة أحمد عبدالله، إخراج سامح عبدالعزيز، 2017):

مسلسل ميزته أنه هادئ وبسيط للغاية. هذا الأمر يحتاجه المشاهد العربي بين الحين والآخر ذلك أنَّ الأحداث الكبرى التي تمر في بلادنا تجعل الهدوء أمرٌ مطلوب. ما أفاد المسلسل كثيراً هو أنّه جاء في فترةٍ امتلأت الدراما العربية بالكثير من ملسلسل البلطجية والمجرمين والعصابات والخيانات وما شاكل، من هنا جاء بمثابة النسيم الهادئ لمن يريد مشاهدة قصة هادئة تحمل بعض الضجيج ولكنها في النهاية لا تتحوّل إلى صراع دموي بين عصاباتٍ مدججة بالسلاح أو أخرى تهرّب الهرويين وتشجع على قلة الأخلاق. يروي المسلسل حكايا أناسٍ عاديين يعيشون في منطقةٍ شعبية إبان شهر رمضان، إنها حكايا يومية، تمتزج فيها القصص الكبرى بالصغرى، باليومية، بالمعاشة. يحسب للمسلسل أنه قدّم تغييراً عن معتاد الدراما المصرية في أنه لم يقدّم "قضية كبرى" أو "قصة عظيمة" أو جريمة أو سواها كثيمة عامة، بل فضل تقديم قصص يومية هادئة، ضمن عمل متسلسل وليس "كل حلقة قصّة". جاء اختيارنا لهذا العمل ببساطة لكونه تقريباً الوحيد في جيله الذي قام بهذا الشيء، كاسراً نمطية أعمال تلك المدّة، وللأسف حتى اللحظة لم يصنع له مثيل (وإن كان صنع جزء ثاني له لم يكن بذات القوة، النجاح، أو حتى السبك، لذلك لم يتم إيراده).

7- حمام القيشاني (مسلسل على أربعة أجزاء، كتابة دياب مخادمة، إخراج هاني الروماني، 1994-2003): 

مسلسل سوري من أجمل ما يمكن مشاهدته خصوصاً لناحية أنه قدّم لنا سوريا كما هي بصراعاتها السياسية، الاجتماعية، الثقافية والاقتصادية حتى. يكشف المسلسل المكتوب والمؤدى بعناية بالغة وتأني شديد صعود الأحزاب المتعددة في سوريا منذ فترة الانتداب الفرنسي، وصولاً لفترة الوحدة مع مصر وحتى الانفصال عنها، عبر تتبع عائلاتٍ سورية تعيش في حي "حمام القيشاني" الشهير في العاصمة السورية دمشق. نعيش كمشاهدين مع عائلة "القناديلي" التي "تنير" لنا الواقع والمجتمع السوري وتعمل على تظهير مجتمع شوهه مسلسل "باب الحارة" بكل ما أوتي من قوة. والجدير ذكره هنا، أنّ فترة "باب الحارة" التاريخية وفترة هذا المسلسل هي نفسها، وبينما شاهدنا ازدهار الأحزاب والحراكات المجتمعية والسياسية ودخول المرأة معترك الحياة السياسية والاجتماعية بقوة، بقيت المرأة حبيسة المنازل و"الذكورية السامة" في "باب الحارة". شرّح المسلسل المجتمع السوري والأجهزة الأمنية والشخصيات الحاكمة فقدمها كما هي دون تجميل أو تزييف، وهذا يحسب له كثيراً. مسلسل مسبوك ومصنوع بعناية في كل أجزاءه. برع في العمل كل من طلحت حمدي، عابد فهد، أمل عرفة. 

 

8- خان الحرير (مسلسل على جزئين، كتابة نهاد سيريس، إخراج هيثم حقي، 1996-1998):

مسلسل سوري خرج من معتاد الدراما السورية أي أن تكون حول "دمشق/الشام" واتجاه ناحية أقدم وأول مدينة صناعية في العالم "حلب الشهباء". إنه يصوّر سوق ومصانع "الحرير" من خلال تقديمه لمنطقة "خان الحرير" الصناعية في فترة خمسينيات القرن الفائت والصراع بين أجيالٍ قديمة وجديدة من التجّار وصناعيي القماش والحرير. بنفس الوقت يروي المسلسل الحياة السياسية للبلاد بدءاً من فترة الاحتلال الفرنسي وصولاً حتى الوحدة مع مصر وانتهاءها. يحسب للمسلسل أنه قدّم لهجة أهل حلب كما هي، واهتم برواية تفاصيل المدينة وما حدث فيها وحولها خلال تلك المدّة الزمنية والتاريخية. كذلك تناول العمل المسبوك بجمالية كيفية تطوّر المجتمعات الفقيرة كما الغنية والمترفة مروراً حتى بالبدو الرحّل (وما يمكن تسميته بالغجر كذلك) من خلال شخصية فضة (أمل عرفة) التي تعشق محسن (فراس إبراهيم) ابن وصهر العائلات الثرية الذي تحبه ويهجرها لاحقاً بسبب اختلاف "البيئات والثقافات والطبقات"، فيدفعها لكي تصبح فنانة مشهورة. نقاط المسلسل القوية كثيرة لربما أبرزها أداء الممثلين القوي: جمال سليمان، بسام كوسا، سوزان نجم الدين، سلوم حداد، سليم صبري. 

9- ذكريات الزمن القادم (كتابة ريم حنا، إخراج حاتم علي، 2003):

مسلسل من أقوى ما يمكن مشاهدته لناحية السبك. تعمل ريم حنا لا على النوازع البشرية فحسب، بل أيضاً على دمجها بالتاريخ والأحداث الكبرى التي تؤدي بالأبطال بعيداً عما يتمنون ويحلمون. قد يلمّح البعض إلى أنَّ الكاتبة استعارت ثيمة قصة الكونت دي مونت كريستو أو مرتفعات ويذرنغ، حول البطل العائد لينتقم ممن ظلموه؛ لكن من لم يشاهد المسلسل لا يعلم نهائياً أن الأمر مختلفٌ تماماً. إنه "بطلٌ" وعائد، لكنه ليس خيراً أبداً، بل شريرٌ وللغاية: مطر أبو ربيع (جمال سليمان) اعتبر شهيداً إبان الاجتياح الصهيوني للبنان في العام 1982 ضمن الشباب الذين تركوا كل شيء لمقاتلة العدو آنذاك. تعامل الجميع معه -أصدقاء وعائلة- على اعتبار أنه قد استشهد في تلك المعركة الكبرى، فجأة وبعد قرابة العشرين عاماً، يعود حاملاً كل "الحقد" والرغبة بالانتقام مخفياً إياها تحت غطاءٍ من اللطف والأدب الشديدين، مرفقة بالمال الكثير. يبدأ هذا "الشر" المتجسد بخلق كل ما لا يمكن توقعه للأشخاص الذين "كرههم" لا لشيء إلا لأنهم حصلوا على أشياء تمناها، أو أنهم كان لديهم أشياءٌ لم تأمنها له الحياة قبلاً: يكره كريم المحامي الشهير صديقه القريب لأنه تزوج من عبلة الثرية اللطيفة والوطنية للغاية، ويحاول بشتى الطرق إيذائهما نفسياً كما معنوياً. يحرض نادين (أمل عرفة) سكرتيرة المحامي كريم على سرقة ملفات المكتب، كما يحرّض وديع (عبدالمنعم عمايري) الشاب الفاشل على ارتكاب جرائم. يحاول سرقة كندة (سلاف فواخرجي) الصبية التي تحب الرسام المعروف صافي (غسان مسعود) صديقه القديم وشقيق عبلة. بنفس الوقت يتجاهل ويبعد خالدة (ضحى الدبس) حبيبته التي اعتبرته "أيقونة" وعاشت على ذكراه. مسلسل يمكن اعتباره واحد من أفضل خمس مسلسلات سورية على الإطلاق، ناهيك عن الأداء المذهل لممثليه من جمال سليمان الذي أعاد المسلسل التأكيد على مهاراته الكبيرة كمؤدِ، غسان مسعود الذي قدّم واحداً من أهم أدواره التلفزيونية، سمر سامي إحدى أيقونات التمثيل السورية بهدوءها وتمثيلها الرصين. بعد هذا العمل تحوّلت سلاف فواخرجي إلى أيقونة نسائية في الدراما السورية. 

 

10- نهاية رجل شجاع (عن رواية لحنا مينا، سيناريو وحوار حسن م. يوسف، وإخراج نجدة إسماعيل أنزور):

لمن يعرفون الكتب ويهتمون بالقراءة، يعتبر حنا مينا صديق القارئ الجديد، إذ إن طبيعة النص الذي يكتبه، سهلة، مرنة، قريبة المآخذ والأهم أنها محببة وقريبة للقلب. من هنا جاء نصه/كتابه نهاية رجل شجاع بذات السلاسة والجمالية. يأتي المشاهد أمام عمل يروي حكاية شخصية مدهشة "مفيد الوحش"(لعب الدور أيمن زيدان) القوي الجسد، الذي يهرب من قريته الفقيرة في الساحل السوري ليخوض صراعاتٍ أشبه بالقصص الأسطورية. قصص أشبه بألف ليلة وليلة لكن واقعية، سورية، حياتية، يومية: من السجون، إلى الميناء، سيرةٌ مليئة بالعنف، ولكن ليس العنف الأميركي الاستعراضي والخشن، بل الشعبي الذي قرأنا وعنه وسمعناه في العديد من الروايات العربية. نفس الأمر ينسحب على مواقف الشخصية الوطنية والقومية، فنرى البطل يقاوم ويكافح الفرنسيين المحتلين على طريقته. يحسب للمخرج كما للكاتب كما للسيناريست أنهما غاصا في قلب العمل، وجعلاه قريباً من المشاهدين لدرجة أن الرائي يشعر بأن هذه المشاهد قد لمحها من قبل في حياته المعاشة وليس في عملٍ درامي. قدّم العمل أيمن زيدان كغول تمثيل. 

 

11- إخوة التراب (كتابة حسن م. يوسف، إخراج نجدة إسماعيل أنزور، 1996):

هنا نحنُ أمام نقلة نوعية في الدراما السورية وكيفية تقديم الدراما شبه "العسكرية" مع غوص المسلسل في فكرة "السفر برلك". يسلط العمل الضوء بقوة على مرحلة الثورة العربية في سوريا ضد الاحتلال العثماني -الظالم والبغيض- لسوريا ومرحلة الإعدامات الشهيرة للمطالبين بالحرّية وصولاً لمرحلة الاحتلال الفرنسي الظلامية كذلك. جاء العمل بمثابة تصوير واقعي لقسوة الحياة في تلك المرحلة التاريخية من خلال المجتمع السوري بأطيافه مقدماً ثورات السوريين بدءاً من إبراهيم هنانو وصالح العلي مروراً بمعاناة الضباط والجنود السوريين في الجيش العثماني من ظلم واستبداد وعنصرية الضباط الأتراك وتعصبهم لقوميتهم التركية وما تعرضت له البلدان العربية تحت ذلك الحكم. عرى المسلسل كثيراً شخصيات تاريخية مثل جمال باشا (لعب دوره فايز أبو دان) وقدّمه كما هو من حيث السلوك وطريقة النطق والتفكير. أهمية المسلسل تكمن في أنه كشف بالتفاصيل ما كان يحدث ولم يكتب أو يظهر في عمل درامي بهذا الحجم والقوة من قبل. عملٌ يستحق الحديث عنه كثيراً لشدة العمق والتفاصيل الموجودة فيه: من الحب إلى الوطنية، إلى العائلة، إلى التضحية والوفاء والوطنية والمقاومة. أكد العمل على أهمية أيمن زيدان الأدائية بعد "ملحمة" نهاية رجل شجاع. 

12- سيرة آل الجلالي (كتابة خالد خليفة، إخراج هيثم حقّي، 2000):

لا يقدّم هذا المسلسل رؤية سياسية بمقدار ما يهتم بتقديم الحياة الاجتماعية والثقافية لمدينة حلب كما هي وبدون تجميل. إننا أمام سيرة عائلة من الإخوة والأقارب والأخوات من آل الجلالي الثرية والعريقة والتي نغوص في تفاصيل حياتهم اليومية البعيدة كل البعد عن الملل والهدوء. كل شخصية في العمل لديها بنيتها الخاصة وعمقها الذي لا يشابه أحداً، يكفي مثلاً أن نشير إلى شخصية وحيد(غسان مسعود) المسرحي الجاد الذي يسعى "لتطهير" المسرح من آفاته في تلك المرحلة. صنعت الشخصية بطريقة مذهلة، وقدمت بذات الطريقة، وعززت مكانة مسعود كواحد من أهم ممثلي سوريا. قصة المسلسل التي تتمحور حول آل الجلالي لا تنسى أن تروي قصة المدينة ككل بأحداثها وأفراحها وأتراحها، وصولاً حتى حياتها اليومية. الثروة الكبرى والعلاقات العائلية، وخلافات الطبقات ومشاكلها كلها موجودة وبزخم كبيرة بداخل هذا المسلسل الذي يمكن اعتباره "ماكيت" لكل المدن العربية الكبرى وثيمة يمكن مراكمة مئات لا بل آلاف المسلسلات حوله وعنه. أهمية المسلسل خلقه لبيئة "قاعدية" نهجتها بعده كل المسلسلات من ذات النوع والفصيلة: العائلة بتركيباتها وتعقيداتها ومشاكلها. يحسب للمسلسل أنه وإن ابتعد عن السياسة نهائياً عوضها بالجوانب النفسية وتأثير المال وصراع الطبقات على حياتنا اليومية.

 

13- ثنائية حسن سامي يوسف والليث حجّو(الانتظار2006، والندم 2016):

لمن لم يشاهد الدراما السورية من قبل، ولم يعرف "الحواري" السورية كما هي بدون تجميل وتعقيد وفلسفة، فعليه بدون تأخير مشاهدة مسلسل "الانتظار" الذي يصوّر الحارة السورية العشوائية وعلاقتها بالمدينة بشكلٍ لا نظير له. إننا أمام قصة شارعٍ شعبي بكل ما فيه من عائلات متعددة الأطراف. تأتي مثلا شخصية عبود(تيم حسن) الذي فعلاً كأنها مأخوذة من الأساطير فيصبح أشبه بالشاطر حسن -أو روبن هود- يسرق من الأشرار والأثرياء ويبيعها للفقراء. بنفس الوقت هناك الشقيقان صابر(أيمن رضا) وبسام(أحمد الأحمد) اللذان يعملان في البناء ويتشاجران على كل شيء، ويذكران كثيراً بلوريل وهاردي وكل ثنائية متناقضة في الدراما قبلهما. هناك الزوجان وائل (بسام كوسا) وسميرة(يارا صبري) اللذان يعانيان من أزمة وجودية حقيقية، هي ترغب في ترك الحارة وابعاد ابنها الشاب رجا(أحمد لبابيدي) عن الشارع فيما زوجها يرفض. عائلة أبو البنات أبو أسعد(عمر حجو) وبناته الأربعة، غليص (أندريه سكاف) المدمن، فاضل الشرطي الريفي. شخصياتٌ كما لو أنّك تبحث عنها في كاتلوج، وتحبها رغم ذلك وتتعاطف معها كثيراً. أما الندم، فهذا شيءٌ مختلفٌ تماماً، إننا -كمشاهدين- هنا أمام مرثية سورية لما حدث بعد العام 2011. تنهار سوريا بكل ما للكلمة من معنى ونشاهد كل هذا عبر عيون عروة(محمود نصر) كاتب مسلسلاتٍ شابٍ أضحى عجوزاً بعد كل ما مر به وشاهده. إنه إبن أبو عبدو الغول(سلوم حداد) الثري العصامي فنسمع حكايته من خلال عيني ولده، فيما سوريا تحترق شيئاً فشيئاً في المسلسل. يأتي الندم كواحد من أكثر المسلسلات قسوة على المشاهدين لناحية الكم الهائل من المشاعر المحزنة والمؤلمة وهو فعلياً لا ينصح بمشاهدته في أي وضع نفسي سيء أو منهك. لا يشبه الندم أي مسلسلٍ عربي آخر، وفرادته قائمة لا على صنعته الدرامية فحسب، بل أيضاً على كل تفاصيله من الموسيقى الهائلة التي صنعها وصولاً إلى الألوان، الكاميرا، الإضاءة فضلاً عن الأداء المذهل لمحمود نصر، دانا مارديني، سلوم حداد، سمر سامي، وبالتأكيد جفرا يونس.

 

14- ثلاثية الأندلس للكاتب د. وليد سيف والمخرج حاتم علي (صقر قريش، ربيع قرطبة، ملوك الطوائف 2002-2005):

إحتفى العرب كثيراً بالدراما التاريخية واهتموا بها كثيراً، وتأتي هذه الثلاثية لتثبيت هذا الأمر وتقديمه بطريقة مبسطة، سهلة، قريبة، والأهم حقيقية ودقيقة للمشاهد الراغب في فهم تلك المرحلة المهمّة من تاريخ المنطقة بأكملها. إننا نبدأ مع مرحلة عبدالرحمن الداخل، صقر قريش (جمال سليمان)، ابن بني أمية القادم إلى بلادٍ لا يعرفها إبان سقوط خلافة الأمويين وظهور بني العبّاس كخلفاء مكانهم. هنا يتجه عبدالرحمن إلى بلادٍ بعيدة ليجرّب الحكم فيها ويوحدها تحت رايةٍ واحدة، وهذا ما يحصل في الجزء الأوّل من الثلاثية راوياً حكايات ذلك الحاكم القادم من بلادٍ بعيدة ليجعل من الأندلس (إسبانيا وجزء كبير من البرتغال الحاليتين وتسمى شبه القارة الإيبيرية) تحت حكمه ورايته. لاحقاً ننتقل لقصّة محمد بن أبي عامر(تيم حسن) ضمن ربيع قرطبة حيث نروي قصّة شابٍ من خارج "معتاد الثراء والقبيلة والطبقة" باحثاً عن المجد والشهرة في مدينة الأندلس الشهيرة ليصبح قائدهاً وأهم شخصية فيها وباني مدينة "الزاهرة" الشهيرة لاحقاً وافتتانه بزوجة الخليفة الحكم(جمال سليمان) وأم الخليفة الصغيرلاحقاً صبح البشكنجية (نسرين طافش). وفي الجزء الأخير نصل إلى ختام تلك المرحلة مع ملوك الطوائف والمعتمد بن عبّاد(تيم حسن)، وهذه المرّة أضاف المسلسل شخصياتٍ تاريخية لها قيمتها الرئيسية مثل ابن زيدون (جمال سليمان) واعتماد الرميكية (سلاف فواخرجي)، المعتضد بن عباد (أيمن زيدان)، ولادة بن المستكفي (سوزان نجم الدين) ابن عمّار (محمد مفتاح)، كل هذه الشخصيات أضفت على الجزء الأخير من المسلسل عمقاً لا تاريخياً فحسب، بل أيضاً نوستالجيا كبيرة وقوية مما يجعله الجزء الأكثر تحبباً بالنسبة للمشاهدين. قوة العمل تكمن في روايته وبسلاسة وسهولة حكاية هذه الشخصيات مع إضفاء الكثير من الأبعاد الإنسانية عليها. استخدم المسلسل ذات الممثلين في أدوارٍ متغيرةٍ في كل جزء فلعب جمال سليمان مثلاً دور عبدالرحمن الداخل في الجزء الأوّل، ثم دور الخليفة الحكم في الثاني، وإبن زيدون في الثالث، نفس الأمر انسحب على كثيرين مثل تيم حسن وسواه. يعاب على المسلسل أحياناً اهماله لبعض التفاصيل التاريخية المهمة والتركيز على أخرى غير مهمة، لكن في المحصّلة عملٌ شديد الأهمية. 

 

15- الفصول الأربعة (مسلسل من جزئين، كتابة ريم حنا ودلع الرحبي وإخراج حاتم علي، 1999-2002):

المسلسل السوري العائلي رقم واحد والذي لا يمكن لاثنين أن يختلفا عليه. قصة عائلية حميمة لطيفة هادئة ليس فيها أي شيء خارج المشاكل العائلية التي يمكن حلّها وإيجاد مخارج لها بهدوء وحميمية ولطف. مسلسل يمكن مشاهدته في أي وقتٍ وفي أي حالةٍ نفسية: يبعث على الطمأنينة، الهدوء، والأهم أنه سلس بسيط. تأتي الشخصيات في المسلسل لتمثّل جميع طبقات المجتمع السوري -والعربي عموماً- وضمن أي من العائلات العربية. إنها يوميات عائلة كريم(خالد تاجا) ونبيلة(نبيلة النابلسي) وبناتهما الخمسة فاتن(سلمى المصري)، ليلى(متوفية في سياق القصة)، ماجدة(مها المصري)، شادية(ليلى جبر)، ونادية(يارا صبري) وأزواجهن وأحفاد العائلة.  حكايا المسلسل اجتماعية عائلية تشبه أية عائلة في الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه، وتراعي الأجيال المختلفة، كما الطبائع المختلفة، استطاعت الكاتبتين دلع الرحبي وريم حنا تقديم مسلسل يمكن مشاهدته مع العائلة بشكلٍ هادئ ودون الإضرار بأي من ثوابت الثقافة أو الأخلاق ودون أية مخاوف. اهتم المسلسل بالعائلة وقوانينها وأخلاقها أكثر من اهتمامه بأي شيء، آخر، لذلك استحق مكانته في هذه القائمة.

 

16- ثنائية ممدوح حمادة والليث حجّو(ضيعة ضايعة على جزئين 2008-2010 والخربة 2011):

إذا كنا سنتحدّث عن الكوميديا الهادفة والعميقة والقوية في الوطن العربي فإن إسم ممدوح حمادة سيكون على رأس القائمة. يمتلك الكاتب السوري الموهوب للغاية مقدرةً على تحويل العادي والبسيط والمعتاد إلى أمرٍ شديد الأهمية والقوة. يعني قرية عادية للغاية، ليس فيها أي شيء رئيسي، مهم أو يستدعي تحوّله لأمرٍ مهمٍ تتحوّل إلى محور الكون: أم الطنافس الفوقا مع ثنائي متناقض مثل جودة أبو خميس (باسم ياخور) وأسعد خرشوف (نضال سيجري) ومجتمع من الشخصيات العادية/اليومية مثل المختار (زهير رمضان) والمساعد في الشرطة(جرجس جبارة) ونائبة (حسين عبّاس) وشخصيات أقل ما يقال عنها بأنها فعلياً لا تشد الإنتباه. يأخذ حمادة كل هذا ويدخل تفاصيلاً عميقة تجعل كل قصصهم وقضاياهم تحوي كل قضايا المجتمع المعاصر وقضاياه فمن تعلّم "التملّق" إلى "سرقة ثياب الجنود العسكري" إلى "فكرة غرق القرية نفسها" إلى "تغيير إسم القرية" وصولاً حتى "موجة الكآبة" التي تجتاح القرية. قصصٌ أكثر من خارقة يتم التعامل معها كأنها طبيعية وتحدث ونرى كيف يتعامل معها سكان القرية أنفسهم بشكلٍ فطري كما لو أنها عادية للغاية. بالمقابل في "الخربة" نحن أمام صراع عائلتين مركزيتين بشكل كوميدي للغاية: بومالحة ويمثّلها بونايف بومالحة (رشيد عساف) و بوقعقور ويمثلها بونمر بوقعقور(دريد لحام). تعيش العائلتان في نفس القرية، وتمران بذات المشاكل والمعاناة التي يقدّمها المسلسل بشكل كوميدي ومع هذا فإن تسليتهم الوحيدة هي في صراعهما الدائم وصراع رئيسي العائلتين مع بعضهما. كلتا العائلتين تفهمان بأن هذا الصراع هو "وهمي" و"استعراضي" ومع هذا فإنهم يوافقون على هذا الصراع لا بل ويدخلون به جسدياً ونفسياً وحتى طبقيا واجتماعياً (يرفضون الزواج من بعضهم مثالاً). مسلسلان عميقان، قويان، يدخلان بعمق في المجتمعات الريفية لسوريا ويصورانهما بدقة، وهذين المجتمعان هما صورة طبق الأصل عن جميع مجتمعات الريف المهمّشة من قبل السلطات عادةً.

 

17- هوانم جاردن سيتي (مسلسل على جزئين كتابة منى نور الدين، إخراج يحيى العلمي 1997-1998)

مسلسل يشبه فعلياً الدراما الغربية المسماة "soap opera" لكن من الناحية الإيجابية: هادئ، رقيق، مفعم بالمشاعر الإنسانية الرقيقة وعلاقات الحب الرومانسية القوية والعميقة. يحسب للمسلسل أنه قدّم وبشكلمرحلة "الباشاوات" في حي جاردن سيتي الراقي بالقاهرة في فترة الحكم الملكي وصولاً لما بعد الضباط الأحرار في مصر مع الرئيس جمال عبدالناصر. يركّز المسلسل على العلاقات العائلية والاجتماعية بين مجموعة من العائلات الأرستقراطية في تلك الفترة المتأرجحة من التاريخ المصري. مسلسل مسبوك بعناية لتصوير العلاقات الإنسانية والعاطفية تحديداً بين تلك الشخصيات. ترسم الشخصيات في العمل كما لو أنها بريشة رسام حذق فنجد عمق عمر عزالدين (حسين فهمي) وقوة وجمالية أشرقت (صفية العمري) وعذوبة شكران (عبلة كامل) ورقي خديجة وأمينة هانم(مديحة يسري وليلى فوزي). قدم المسلسل جانباً مختلفاً من التاريخ المصري المعتاد الذي قدمته أعمال أخرى، لكن هذه المرة بنفس متصالح مع تلك المرحلة: لم يهاجمهم، ولم ينظر لهم نظرة "المنتقم/الغاضب/المحاسب" بل نظرة مساوٍ لهم يحاول سبر ماذا كان يحدث معهم في تلك المرحلة من حياتهم. مسلسل عميق لناحية ولوجه للمشاعر الإنسانية وتركيزه عليها أكثر من غيرها.

 

18- ونوس (كتابة عبدالرحيم كمال، وإخراج شادي الفخراني، 2016)

يأتي ونوس بصفته المسلسل الوحيد ضمن القائمة الذي يقارب "الشر" بشكل مختلفٍ تماماً: يروي المسلسل قصة شرير حقيقي، يحمل شراً حقيقياً، وكيف يدخل إلى داخل عائلةٍ واحدةٍ ويبدأ بتفكيكها شيئاً فشيئاً، وأمام أعين المشاهدين الذين قد يتعاطف معه بعضهم لشدة قوة الأداء التمثيلي ليحيى الفخراني في دور ونوس. يركّز ونوس على نقاط ضعف كل شخصية ورغم أنه فعلياً لا يفعل "المستحيل" أو "شيئاً إعجازياً" (إلا لماماً) إلا أنه يجرهم جميعهم على طريق الشر كلٌ بحسب تلك النقطة الضعيفة. يشير البعض بأن المسلسل هو محاولة تكملة لرواية فاوست الشهيرة لغوته في إجابة للسؤال: ماذا بعد بيع فاوست لروحه؟ هذه المرّة فاوست ويسمّى ياقوت (نبيل الحلفاوي) بعدما باع روحه للشيطان، يقرر التوبة، يغضب الشيطان ويقرر عقابه من خلال "عقاب" عائلته وهكذا يبدأ. نرمين (حنان مطاوع) الصبية المتزوجة ذات الإبن المريض والمستعدة للقيام بأي شرٍ إن ضمنت شفاء إبنها، عزيز (محمد شاهين) شقيقها وسائق الأجرة الراغب في المال الوفير مهما كلفه الأمر، محمد كيلاني (بلبل أو نبيل) المغني الذي تبدأ رحلته بالانحراف من اختيار مكان غناءه في ملهى ليلى وضيع، دنيا (نهى عابدين) ابنة خالتهم والمعجبة بنبيل والمخطوبة لعزيز، الشيخ فاروق (نقولا معوض) مدعي المشيخة والإيمان والمحب للاستعراض والتقدير الزائف. تكمن أهمية المسلسل في أنه يظهر لنا كيف يدخل الشيطان من خلال وسوسته -التي نشاهدها بأم العين في العمل- إلى قلب وعقل الشخصيات، التي تمثل شخصياتٍ نعرفها ونشاهدها في الحياة الواقعية ونسأل أنفسنا دائماً: كيف انحرف ذلك السائر على الطريق القويم؟ هذا المسلسل يمتلك تلك الإجابات. 

 

19- الطويبي(عن رواية لنبيل سليمان، وسيناريو وحوار قمر الزمان علوش وإخراج باسل الخطيب، 1998): 

أحد أهم المسلسلات السورية التي حكت تاريخ المقاومة في جبال العلويين ضد المحتل الفرنسي. إنها حكاية قرية منسية يعود إليها طاهر الطويبي(أيمن زيدان) القوي والشجاع والراغب في تحويلها إلى قرية نموذجية. تصطدم أحلام هذا الثائر بالكثير من العقبات أبرزها عبدالعزيز بيك (أحمد ماهر ديركي) والفرنسيين، لكنه يتحالف مع خاله أبو محمود المختار (بسام لطفي) وزكي (حسن عويتي) الموظف في القطاع الرسمي والباشا المتنوّر حامد بيك (طلحت حمدي) للقيام بما هو شبه مستحيل. لاحقاً يغرم بإبنة الباشا حورية (نورمان أسعد) لتتعقد الأمور أكثر فأكثر. يحسب للمسلسل أنه قدّم للدراما العربية باسل الخطيب أحد أعمق مخرجي المسلسلات: كل كادر هو حكاية بحد ذاته، كل زاوية تصوير لا تشبه أخرى، طريقة استخدام الكاميرا، نوعية الضوء المستخدم كل شيء أنبأ عن عبقرية خاصة لهذا المخرج الموهوب. بنفس الوقت أعطى قمر الزمان علوش للرواية الأصلية الكثير من القوة، فكتب نصاً مسبوكاً ومحترفاً، جعل الشخصيات تنبض بالحياة خصوصاً مع شخصيات مثل هاجر (عبير شمس الدين) التي تفتن بالطويبي لكنه لا يحبّها فتجن، وشعبان (باسم ياخور) الذي يفتن هو الآخر بهاجر دون أن يصل لنتيجة. نص المسلسل مليء بالحكايا ويشبه الأفلام لشدة سبكه وصنعته، ولربما كانت تلك المرة الأولى التي يصنع فيها مسلسل كما لو أننا أمام فيلمٍ سينمائي من جميع النواحي: إذ يعيب كثيرون على مخرجي المسلسلات في الوطن العربي أنهم لا يهتمون إلا بالحكاية التي بين أيديهم فيما يهتم مخرجوا السينما بالصورة والكادر والكاميرا وكل ذلك.