الجذور الجيوسياسية للكيان

الجذور الجيوسياسية للكيان
شوكت سعدون | كاتب عربي

هذا النص هو مقتطف من دراسة بعنوان "قراءة في عقل الكيان: من التأسيس حتى الطوفان"، للكاتب نفسه، وقد نُشرت هذه الدراسة بتاريخ 16 ديسمبر 2025. كما أن النص تم تدقيقه، والعنوان أيضا مستلهم من عمل المدقق حصرا.

الكيان تعود جذور تأسيسه الأولى إلى النظام الدولي الكولونيالي على أثر حركة الكشوف الجغرافية الذي كانت سمته الجوهرية أنه نظام دولي ثنائي القطبية كولونيالي بحري أوروبي غربي أعقب نظام دولي سبقه هو نظام دولي ثنائي القطبية بحري أوروبي غربي هو النظام الميركنتالي وكانت بريطانيا هي القطب الأقوى في النظام الكولونيالي بوصفها القوة البحرية الأقوى في الكوكب. بريطانيا حذت حذو من سبقها في استعمار العالم الجديد وخصوصاً في أمريكا الشمالية وتركت أمريكا الجنوبية لإسبانيا والبرتغال وتأسست أول مستعمرة بريطانية في أمريكا الشمالية عام 1619، وكانت أميركا الشمالية وتحديداً ما يعرف الآن بالولايات المتحدة الأمريكية قارة من الموارد قليلة السكان فانفتحت أبوابها للهجرة وإفراغ القارة من سكانها الأصليين ناهيك عن موارد ضخمة تفتقر إليها بريطانيا.

وبذلك كانت أميركا الشمالية أهم مستعمرة بريطانية من حيث الموارد واستعمرت بريطانيا الهند التي كانت توازي أميركا الشمالية في أهميتها مع اختلاف خصائصها فهي كانت سوقاً واسعاً لكثافة عدد سكانها إضافة إلى أنها مورد هام للتوابل التي كانت تسوقها شركة الهند الشرقية التي تأسست عام 1600م استندت بريطانيا إلى قاعدتين موارد أميركا الشمالية وسكان الهند كسوق.

وعلى أثر حرب الاستقلال الأمريكية 1783 عن بريطانيا فقد خسرت بريطانيا قاعدة الموارد تلك فلم يبقى إلا الهند وهذا فرض على العقل الاستراتيجي البريطاني بضرورة الحفاظ على مستعمرتها في الهند وهذا يتطلب الحفاظ على طريق مواصلاتها لإدامة الوصول إليها. وبحكم أن بريطانيا قطباً دولياً كولونيالياً بحرياً أوروبياً غربياً فإنها كانت مجبرة على الإبحار من قاعدتها الإمبراطورية نحو الهند وذلك بالإبحار على طول سواحل أفريقيا على المحيط الأطلسي وصولاً إلى كيب تاون في جنوب أفريقيا. وقد قدرت مسافة الإبحار تلك بحدود 21 ألف كلم (11300 ميل بحري) من بريطانيا إلى الهند.

هذا الإبحار الطويل المعتمد على السفن الشراعية منذ أوائل القرن (17) تطلب وجود قواعد لوجستية على طول خط ذلك الإبحار فكانت كيب تاون وعدن امتداداً إلى بحر عمان وصولاً إلى الهند، ولا شك أن هذا الإبحار الشراعي الطويل كان يفرض أعباءً لوجستية على البحرية البريطانية فأتى الانتهاء من حفر قناة السويس عام 1869 تخفيفاً لهذه الأعباء حيث قصرت قناة السويس عبر البحر الأحمر وباب المندب المسافة السابقة وصولاً إلى الهند وهذا قلل من الأعباء المالية المتعلقة بأجور الشحن ولهذا حظيت مصر بأهمية بالغة في عقل المخطط الاستراتيجي الكوكبي البريطاني الأمر الذي أدى إلى احتلال مصر عام 1882، حيث تم تقصير المسافة قرابة 5 آلاف كم.

لكن خسارة بريطانيا لمستعمرتها في أميركا الشمالية وباستخلاص العبر من هذه الخسارة كان التفكير بإيجاد طريق بديل في حالة إغلاق قناة السويس لأي سبب كان فإن الوضع يقتضي إيجاد طريق بديل، فتم التفكير بميناء حيفا وفلسطين امتداداً لشرق السويس نحو العراق فالخليج العربي ومضيق هرمز ولهذا أتت سايكس بيكو التي قسمت الهلال الخصيب بين القطبين العالميين البحريين الكولونياليين الأوربيين الغربيين فرنسا وبريطانيا وبما يضمن حرية المواصلات البريطانية نحو الخليج العربي إلى الهند عبر براري الهلال الخصيب الصالحة للسير طيلة مدار العام.

في القرن 19 وعلى أثر نشوء الحركة الصهيونية بدأت بالاتصال بالإمبراطور الألماني (فيلهلم) للطلب منه إنشاء كيانها في فلسطين وبحسب يوميات هرتزل فإنه قدم طلبه عارضاً أن تكون الدولة اليهودية المنشودة حربة حضارية متقدمة في الشرق، لكن التحالف الألماني العثماني حال دون الموافقة حيث أن ألمانيا بدأت في تلك الحقبة بتدريب الجيش العثماني إلى البدء بإنشاء خط حديد الشرق السريع (3B) – برلين بغداد البصرة، وفشلت مساعي هرتزل واقترن ذلك بعدم موافقة العثمانيين نتيجة تحالفهم مع ألمانيا.

نقل هرتزل مطالبه إلى بريطانيا معتبراً أن «الدولة المنشودة» ستكون جزءاً من استحكامات أوروبا في مواجهة آسيا كموقع للحضارة الغربية في مواجهة البربرية. وهنا لنتوقف أمام هذا الاقتباس من هرتزل؛ هرتزل يقدم الدولة بوصفها جزءاً من النظام الدولي الكولونيالي ثنائي القطبية الأوروبي الغربي البحري، هذا النظام الذي كان يرى في آسيا حجر عثرة أمام ذلك النظام، وهذا يتوافق مع طروحات ماكندر الجيوسياسية المتعلقة بنظريته حول الهارتلاند والهلال الداخلي الذي ستكون فلسطين جزءاً منه.

كان السعي البريطاني ووفق تفكيرهم الجيوسياسي واستراتيجيتهم الكوكبية وبوصفها امبراطورية بحرية كولونيالية يقوم على تفكيك الإمبراطوريات البرية والتي كانت تشمل آنذاك روسيا القيصرية وامبراطورية النمسا المجر والإمبراطورية العثمانية وألمانيا بوصفها امبراطوريات برية وهذا تعبير عن صراع البر والبحر الكوكبي وهذا كان السبب الرئيسي لاندلاع الحرب العالمية الأولى وما تمخض عنها من تفكيك إمبراطورية النمسا–المجر والإمبراطورية العثمانية.

ومن حقائق الحرب العالمية الأولى وعلى إثر الإنهاك الذي ألم بالإمبراطورية البريطانية بدأت تلوح في الأفق ملامح ضعف الإمبراطورية الكولونيالية نتيجة تمددها المفرط في الكوكب، لتأتي الحرب العالمية الثانية لتزيد من ملامح هذا الضعف والتي كان من نتائجها تحولات كبيرة في النظام الدولي وبروز نظام دولي جديد ثنائي القطبية اختلفت سماته عما سبق وتمثل ذلك ببروز قطبين جديدين هما الولايات المتحدة البحرية والاتحاد السوفييتي البري، ومن نتائج هذه الحرب القيام الرسمي للكيان عام 1948.

نلاحظ أن القيام الرسمي للكيان توافق مع انهيار النظام الكولونيالي، ولكن التفكير الاستراتيجي للكيان المتوافق مع النظام الكولونيالي السابق بأنه سيكون في مواجهة آسيا وبوصف أن ذلك التفكير كولونيالي في جوهره ومتوافق مع النظام الكولونيالي فإنه ارتكز في ثباته على إقامة مستعمرات في فلسطين المحتلة وهي مستعمرات كولونيالية ونحن نسميها مستوطنات، مع ملاحظة أن النظام الكولونيالي آخذ بالأفول.

واستجابة لمعطيات النظام الدولي ثنائي القطبية الجديد فإن الكيان ونتيجة لمدركاته لطبيعة وسمات هذا النظام وإدراكه للقوة التحالفية وعلى قاعدة الندية وليس التبعية أقام تحالفه مع الولايات المتحدة بوصف أن ذلك الكيان جزء لا يتجزأ من النظام الدولي القائم وحليفاً ندياً للتحالف الإنجلو أمريكي الساكسوني وليس تابعاً.

من نتائج الحرب العالمية الثانية تعاظم حركات الاستقلال في المستعمرات السابقة ومنها المنطقة العربية وبالأخص مصر وغرب آسيا التي أنهت الوجود البريطاني بصفته الكولونيالية ومنها وعلى قاعدة الندية قدم الكيان نفسه مرة أخرى بوظيفة جديدة وهي ضرب حركة التحرر القومية العربية، ففي السابق قدموا أنفسهم كموقع متقدم في مواجهة آسيا وعلى خلفية التوجهات الماكندرية، وهنا نلحظ استمرار وظيفية الكيان.

بوصف أن الكيان كيان كولونيالي واستمراراً لدوره الوظيفي المتوافق مع النظام الدولي ثنائي القطبية وحليفاً للولايات المتحدة على هذه الخلفية أتت حرب 67 مع عدم إغفال حرب 56 وبصفته الكولونيالية القائمة على التوسع.

وتتالت أحداث التاريخ فانحل الاتحاد السوفيتي وهنا أتت لحظة فارقة في النظام الدولي وهي انفراد الولايات المتحدة بالكوكب ما دفعها لإعلان قيام نظام دولي بحري أحادي القطبية، والملاحظ أن الإعلان عن قيام تلك اللحظة الأحادية القطبية أتت في أحداث مهمة في غرب آسيا وأعني ما جرى بعد أحداث الكويت عام 1991.

الوضع الإقليمي الناشئ أحدث فراغ قوة تمثل بخروج أهم قوتين عربيتين واستمراراً بالارتكاز على استراتيجية ملء الفراغ ونتيجة لفهم الكيان لمعطيات ملء الفراغ فإن وظيفيته تجددت وأخذ يعد العدة لملء الفراغ في غرب آسيا. وهذه نتيجة منطقية لطبيعة فهمه لمتغيرات النظام الدولي وتحولات تحالفاته والمتغيرات الجيوسياسية والاستراتيجية في إقليم غرب آسيا والمنطقة عموماً.

أما على الصعيد الفلسطيني ومنذ عقد ثمانينيات القرن الماضي والذي بدأ في الاجتياح الإسرائيلي 1982 للبنان وما تمخض عنه من خروج منظمة التحرير من لبنان لتأتي انتفاضة 1987 والتي تمخض عنها اتفاقات أوسلو وما تبعها من حصار غزة، اتفاقات أوسلو في جوهرها تقوم على إزالة عبء أمن الضفة الغربية عن كاهل الكيان مع احتفاظه بحق مراقبة ذلك الأمن والتدخل حين الحاجة.

في غمرة انشغال الولايات المتحدة في حروبها في أفغانستان والعراق ويوغسلافيا تنامى الدور الصيني وأخذت روسيا في مغادرة مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وبدأ الكوكب يشهد تحولات جديدة متمثلة بمحددات أمام الولايات المتحدة وهذا أدخلنا في العقود الأولى للألفية الثالثة والقرن 21 حيث بدأت الصين بالتنامي كقوة اقتصادية قطبية في آسيا أما في روسيا الاتحادية بدأت بالتعافي لتواجه توسع حلف الأطلسي شرقاً وفي قمة هذه المواجهة أتت الحرب الأوكرانية.

وهنا تجددت وظيفية الكيان فعلاوة على ملء الفراغ في غرب آسيا فإنه استجاب لمتغيرات الوضع الدولي بوصف أن غرب آسيا من أهم الأقاليم الاستراتيجية في الكوكب مضافاً إلى إقليمي الشرق الأقصى وحوض المحيط الهادي وامتداده نحو المحيط الهندي أو ما عرف بإندوباسيفيك وإقليم شرق ووسط أوروبا. وهذا يرينا ندية الكيان وتكامله الأطلسي وهذا يفسر اندفاع الأطلسي في مواجهة طوفان الأقصى والدور الوظيفي المتعاقب المتواصل المتكامل مع الغرب ودور الكيان في آسيا.

في كل ذلك حظي أمن الكيان وتجاوزاً نقول أمنه القومي بأهمية بالغة السوء عند بن غوريون كأب مؤسس وكامتداد لهرتزل كأب مؤسس آخر أقدم سابق لبن غوريون.