الحرب الأمريكية "الإسرائيلية" المتوحشة على إيران تحولات الجيوسياسي والنظام العالمي والإقليمي
اللواء خالد كريدية
أمين عام الحرس القومي العربي
العالم أمام مشهد لا يمكن اختزاله على أنه حرب عسكرية، بل هو لحظة انكشاف للمنظومات التي حكمت العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. حين نحلل الحرب الأمريكية-الصهيونية كفعل عضوي متكامل وتداعياتها على النظامين العالمي والإقليمي، نجد أننا ننتقل من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة رسم الخرائط بالدم والنار.
تفكيك هذه التحولات يقوم على الأسس التالية:
أولاً: النظام العالمي - تصدّع الهيمنة الأحادية
لقد كشفت هذه الحرب عن فجوة أخلاقية وقانونية عميقة، أدت إلى تحولات بنيوية في النظام الدولي:
سقوط المركزية الأخلاقية التي روّج لها الغرب: فقدت المفاهيم التي روّج لها النظام الدولي - حقوق الإنسان، القانون الدولي - جوهرها بعد أن تبين أنها أدوات انتقائية. هذا السقوط ليس عابراً، بل هو استرداد للأصل في وعي الشعوب خارج الحقل الغربي.
تشكّل القطبية التعددية الصلبة*: لم تعد القوى الكبرى كالصين وروسيا تكتفي بالمراقبة، بل بدأت تكرّس حضوراً سياسياً واقتصادياً يقدم بديلاً عن "الأمركة" للدول الباحثة عن سيادة بعيدة عن الهيمنة السياسية والمالية والأمنية لواشنطن.
عسكرة الدبلوماسية: الانتقال من نظام الاتفاقيات إلى نظام الممرات الاستراتيجية. الآن الصراع يدور حول من يسيطر على سلاسل التوريد، ومضايق الطاقة، وتكنولوجيا السيادة.
ثانياً: النظام الإقليمي - خرائط القوة الجديدة
على المستوى الإقليمي، نشهد محاولة لإعادة هندسة الشرق الأوسط، لكنها تصطدم بوعي المقاومة وجغرافيا سياسية عصيّة على التطويع:
وحدة الساحات مقابل وحدة المصالح: نشأ مفهوم "وحدة الساحات" كترجمة عملية لرفض التجزئة الاستعمارية، مما جعل أمن الاحتلال مرتبطاً بملفات تمتد من باب المندب إلى البحر الأبيض المتوسط.
الصراع على الممرات: هي حرب الطرق التجارية طريق الهند-الشرق الأوسط-أوروبا مقابل طريق الحرير الصيني وممرات المقاومة. من يمتلك الميناء والساحل يمتلك القرار السياسي.
انكشاف الدولة الوظيفية: تعاني الأنظمة التي اعتمدت على الحماية الأمريكية من أزمة شرعية عميقة، حيث تتبدى بوضوح الفجوة بين النخب المرتبطة بالمركز الغربي، وبين وجدان الشعوب المرتبط بالأرض والجذور.
ثالثاً: التحولات الجيوسياسية - الاشتباك مع الواقع
فشل الردع: القوة العسكرية المفرطة لم تعد كافية لفرض الهزيمة النفسية أو السياسية. أصحاب الأرض يعيدون تعريف النصر كفعل استمرارية وليس كمجرد توازن عسكري.
سلاح الجغرافيا: عادت الجغرافيا لتفرض كلمتها. البحر الأحمر - هذا المجال الحيوي - لا يمكن التحكم به عبر الأقمار الصناعية وحدها، بل يتطلب سيادة حقيقية على الأرض.
الوعي المنتج: التحول الأهم هو خروج العقل العربي والإقليمي من حالة الاستلاب المعرفي، والبدء في تفكيك الأساطير التي روّجت للعجز عن مواجهة الآلة التكنولوجية الغربية.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد حرب، بل هو مخاض لولادة نظام عالمي جديد، حيث يتم استرداد الأصول - الأرض، الهوية، والقرار - من حقل سردية الزيف التي طمست حقيقة الصراع لمساحة زمنية طويلة
لعل من أهم الأسئلة المُرَكَّبة المُرْبِكة التي لا يملك المرء المتابع للشأن القومي العربي على اُمتداد السنوات العديدة الماضية ، وخاصة بعد طوفان الأقصى والمستجدات الراهنة الآن في الوطن العربي والإقليم والعالم ، ما موقع الأجسام الوسيطة العربية ، أحزابا ومنظماتٍ وجمعيّاتٍ ، ممّا يحدث ؟ وهل تمكنت من النهوض بدورها المناط بها بناء ، على الأقلّ ، ممّا تُنبئ به مشاريعها السياسية المُعلنة والمًوثقة كتابةً وصوتا وصورةً .
إنّ ما يعنينا ، في هذا المقام تحديدا ، هو الأجسام الحاملة مشروع تحرير الوطن العربي وتوحيده وبناء مجتمع الكفاية والعدل . وهي ، دون مبالغة ، تُعَدُّ بالمئات . أما في مستوى الأحزاب تحديدا فهي بالعشرات في الحدّ الأدنى . والرأي عندنا أن أداء تلك الكيانات مايزال متواضعا عامّة ولم يَرْقَ إلى مستوى الغايات المُعلنة في وثائقها التّأسيسيّة وشتّى أدبياتها اللّاحقة .
وقد لا نجانب الصواب إن شدّدنا على أنّ المعضلة الرّئيسةَ لتلك الجماعات ، وفي صدارتها ، الاحزاب تنظيميّةٌ بالأساس وليست سياسية .
إننا مازلنا على يقين بأنّ المشروع السياسيّ الرئيس القائم على ثالوث الحرية والوحدة والاشتراكية ما فتئ يؤكد راهنيّتَه وقدرتَه المُؤكَّدةَ على أن يكون البديل الجذريّ للمعضلات المركزية الني تنخر الأمة العربية منذ أمد طويل وهي التبعيّة والتجزئة والاستغلال والاُستبداد .
ولعلّ " الفريضة الغائبة " أو المُغَيَّبَة ، والنّتيجةُ واحدة على أيّة حال ، هي المَأْسَسَةُ وكلُّ مُتعلّقاتها . ولن تُفلح تلك الكيانات في تغيير ما بأنفسها من خلَلٍ ووَهَنٍ بل من شلَلٍ أحيانا ما لم تَعِ ، بداية ، بحقيقة هذه العلّة وخطورتِها الوجوديّة وسُبلِ التّعافيّ النّاجز العاجل منها .
والرأي عندنا أنه من الأنسب ، بداية ، الإلماع إلى معنَيَيْ مفهوم المأسسة لغةً واُصطلاحًا .
لقد ورد في اللّسان أنّ " الأُسَّ والأسس والأساس : كلُّ مُبتَدَإ شَيءٍ " و " الأسّ والأساس أصلُ البناء " و " الأسيس : أصل كل شيء . و " أسّ الإنسان : قلبُه " ( اِبن منظور ، لسان العرب ، مادة أ ، س ، س )
وفي ضوء ما أسلفنا يستحيل مفهوم المأسسة وثيق الصلة لغويا بالبداية والأصل والبناء والقلب مما يعني أن كل مأسسة هي بالضرورة عملية( بناء ) بكل ما يقتضي ذلك من تخطيط ومهارة ومواد بناء وكدح . تماما كما أن المأسسةَ هي ( البداية والأصل ) فلكأننا نقول في البدء كانت المأسسة فضلا عن كونها هي ( القلب ) من كلّ عمل .
أمّا اُصطلاحا فحسبنا أن نحيل إلى ما اُنتهى إليه أحد أبرز الباحثين في منظومة الأحزاب ( Panebianco, A. (1989). L'organisation des partis (Trad. A.-M. Arrebola & P. Delcamp). Paris: Presses Universitaires de France )
من كون " المأسسة " هي " العملية التي يتحول بها الحزب من أداة إلى قيمة "
(L'organisation des partis , p112 ) .
• وهو ، في هذا السياق ، يعتبر لحظة الولادة بالغة الحيويّة إذ تحدّد ، إلى مدى بعيد ، طبيعة الحزب التنظيمية ومآلاته
• (L'organisation des partis , p 95 )
• ويميز بانيبيانكو Panebianco في مقاربته هذه ، وفي ضوء ما سبق ، بين
ضربين من الولادة يصطلح على أولهما ب" الاختراق التنظيمي " ويسمّي ثانيهما " الانتشار التنظيمي " . ففي الحالة الأولى ينهض مركز ما بقيادة عملية التأسيس فيكون عموديا . أما في ثانية الحالتين فإن النشأة تكون أفقية حيث تتشكل النخب محليا ثم تنصهر .
إن تمثل حقيقة مفهوم المأسسة يستدعي حسب رأينا اُستحضار مقاربة صامويل هانتنجتون ( Huntington Samuel ) في الغرض وهي ، في تقديرنا ، من أهم المقاربات التي اُنتهت إلى صياغة مجموعة من المؤشرات يمكن في ضوئها تحديدا قياس حدود حضور كيان سياسي ما .
( صامويل همنغتون، النظام السياسي في مجتمعات متغيرة ، ترجمة حسام نايلي ، دار التنوير للطباعة والنشر ، ط 1 ، بيروت 2017
لقد ضبط المؤلف في الفصل الأول الموسوم ب " النظام السياسي والاُضمحلال السياسيّ " معايير أربعة تنبئ حضورا وغيابا بحجم مأسسة كيان سياسيّ ما " يقاس مستوى الطابع المؤسّسي لأيّ تنظيم أو إجراء خاص بتماسكه واُستقلاله وتعقيده وقدرته على التّكيّف "
• فالتكيف يُشَخّص بمدى القدرة على التعاطي مع التحديات الموضوعية من جهة وحدود سلاسة الاُنتقال في الخطط القيادية من جهة أخرى .
• أمّا التعقيد فيُقاس بحجم الهياكل التي يُنبني عليها الحزب وحدود توزّع السلطات في دوائر تنظيميّة متعددة ومتنوعة . في حين يُنظر في مفهوم
• الاُستقلال اُستنادا إلى مدى تحرّر الحزب من التّبعية المالية والسياسية لجهات خارجة عنه والولاء لها . أما التماسك فيُعَيّرٌ على قاعدة حدود اُنضباط كل عناصر الحزب لأنظمته القانونية وخططه البرامجية العامة توازيا مع غياب تجليات اُنشقاقات داخلية عُظمى ( نفسه ، صص 38 , 49 )
️ إنّ المأسسة_ ، حسب اُعتقادنا ، هي النقيضُ الجذريُّ للفردانيّة الفاشلة دوما . وهي ، في قناعتنا الرّاسخة ، روحُ الفكر القوميّ التّقدّميّّ وقُرْصُهُ الصّلبُ .. و هي صمّامُ أمان اُمتداد الوجود السياسي والتنظيميّ في المستقبل... و مفتاح الفعل الناجز الناجع .. ّوالسّبيل الأوحد الحصريّ إلى بناء عنوان. سياسيّ فاعل قادر على جعل المشروع القوميّ التقدّميّ منغرسا في تُربة الوطن العربيّ ومُؤهّلا ليكون ، فعلا ، بديل أمتنا الجذري في بناء دولة العرب الواحدة الديمقراطية الاشتراكية والاٌنتصار ، بمقتضى ذلك ، إلى مصالح شعبنا العربيّ جميعها .
️ وبقدر أهمية الوثائق ذات العلاقة المُنصِّصة على المأسسة والمُسَيِّجة لها ، فإنها تظل ، في تقديرنا ، غير ذات قيمة ما لم تتوفر شروط أربعةٌ حيوية رئيسةٌ :
إرادة مؤسّساتية جادّّة ، وعقل مؤسساتي حصيف ، وممارسة مُؤسّساتية حقيقية ، وآلياتٌ ، مُقَنّنة ومحتَرَمة ، للمراقبة والتقييم و المساءلة و المحاسبة .
️ بيد أن كل ما سلف ، وإن كان بالغ الحيويّة ، يظلّ غير ٌكاف بل غير ذي معنى ، ما لم يكن موصولا ، في رأينا ، بمسائل خَمْسٍ بالغة الحيويّة :
1 - في صلة التّنظيميّ بالسّياسيّ :
الرأي عندنا أنّ الصلة وثيقة بين السياسيّ والتّنظيميّ في كلّ فعل حزبيّ إلّا أنّ لنا في المسألة رأيا متواضعا مازلنا ثابتين عليه . ولقد اُنتهينا إلى استخلاصه من خلال تجارب شخصيّة تنظيميّة متنوّعة واُستنادا إلى التدبّر في الفعل التنظيميّ عامّة والممارسة التّنظيمية للعائلة العقائديّة التي إليها ننتسب في مغرب الوطن ومشرقه .
خلاصة كلّ ما سلف أنّ كلّ تعثّر كان أوقد يكون... وكلّ اُندثار كان أو قد يكون منشؤهما المأزق التنظيميّ .
إن التّنظيميّ ، في اُعتقادنا الراّسخ ، هو مربط الفرس وقطب الرّحى والمبتدأ والخبر ...التّنظيميّ هو القاطرة والسّياسيّ هو العربة . وواضح ، في هذا السياق ، أن التنظيمي لا يعني الهيكلة الشكليّة الاُستعراضيّة السّاببة وإنّما هو في قناعتنا الهيكلة المّماسَسَة والمُماسِسَةُ في آنٍ .
إنّ الأداء السياسي الجيّد قد يرتقي بالتنظيمي .أقول قد و أؤكّد عليها ، ولكنّه يظلّ في كل لحظة مهددا بخطإ في التقدير بل بإضاعة اُتّجاه للبوصلة . وقد تنتهي حتّى إلى الاُنحراف الكامل عن الخطّ السّييِاسيِّ التّأسيسيّ المرجعيّ لحزب ما . ولتجنّب كلّ تلك الاختمالات الواقعيّة تقتتضي الحكمة جعل التنظيمي المُمَأسَس ، دائما ، هو دليل الفعل السياسيّ وضابط إيقاعه وصمام أمانه ..
إن فعلا سياسيا دون هياكل ممأسسة يظل دوما قائما على الاجتهادات الفردية أوالشلليّة غير مأمونة العواقب .. أما حين تكون لحزب ما مؤسسات حقيقيّة ناهضة على الاُختيار الظيمقراطيّ الحر .. وفاعلة وواضحة الصلاحيّات فإنها تكونا فضاء رحبا للجدل الاجتماعيّ تمثُّلا دقيقا للمشكلات وإداراكا ناضجا لحلولها الصحيحة في الواقع واُختيارا مسؤولا لأساليب تنفيد تلك الحلول وتوزيع المهام على الأفراد وفق معايير موضوعية صارمة تأخذ بعين الاعتبار حدود كفاءة العنصر لأداء تلك المهمّة .. مع الوعي باُختلاف مقدرة الناس الجدليّة فمن يفلح ، بتألق ، في إنجاز مهمة ما قد يكون فاشلا بل ربما مخرّبا حين توكل إليه مهمّة لا تتناسب وقدرته الجدليّة .
2 - في العقل النّقديّ وعقليّة القطيع :
أنّ العقل النّقديّ بعضٌ ممّا به يترجم الإنسان إنسانيّته ويتميّز به من سائر الكائنات .فهو يتناض مع العقل السكونيّ التّسليميّّ الذي يقبل كل ما يرى أو يسمع أو يقرأ دون عرضه على مِحكّّ العقل . إن الأحزاب التي لا تراهن على تأصيل العقل النقديّ لدى منظوريها بل لا تحفّزهم على اُمتلاكه ، إن لا حظت ضموره أو غيابه أصلا ، تحكم على نفسها بالموت التّدريجيّ .
إن الأحزاب النّابضة بالحياة تأبى أن يكون منظوروها مُنَمَّطين يفكّرون جميعا بذات الطريقة وينظرون كلهم إلى الأمور من الزاوية نفسها ولا يجرؤون على التّغريد خارج السِِرب ومخالفة السائد لا بمنطق " خالف تُعرَف " وإنما من منطلق أن الحقيقة نسبية ..وألّا احد يحتكرها . وأن " صغيرا " في السّنّ او المرتبة التنظيميّة قد يهتدي إلى ما يقصُر عن إدراكه " كبير " سِنّا أو موقعا تنظيميّا .
فالأحزاب التي تحرص على ضمان مستقبلها وتأمين توسعها وتجويد أدائها لا مكان فيها للمُريدين والأتباع الذين قد يُتَفِّهُون شأنا عظيما وقد يُعظّمُون أمرَا تافها إمّا لأن طبعهم الاُنبهار لا التّدبُّر .. والاُصطفاف الأعمى لا الاحتكام إلى العقل ..إن حزبا لا يشجع منظوريه على طرح الأسئلة المُركّبة بل المُربِكة .. وفتح سائر الملفات دون طابوهات في الأطر مرجع النظر ينتهي به الأمر إلى الضمور فالتلاشي .. وقد يخسر طاقات خلّاقة كان من الأجدر ، لو كان يعقل ، الاستفادة منها . .. إن المتخزّب المنخاز إلى مشروع ينبغي أن يكون مبدؤه " إنّما يُعرَف الرّجال بالحقّ .. ولا يُعرَف الحقّ بالرّجال " .. وبوصلتُه قول المعرّي : لا إمام سوى العقل مُشيرا في صبحه والمساء "
3 - في الروابط العليا وما دونها :
إن الإنسان السوي لايعيش ، عادة ، فردا مُفردا وإنما ينتسب إلى جماعت شتّى أسرةً وعشيرةً وقبيلةً وشعبًا وأمّةً وإنسانيّةً. ومن الطبيعيّ ّ ، بل من المرغوب فيه ، أن يعتزّ المرء بدوائر اٌنتمائه المختلفة بدءًا بالأضيق واُنتهاء بالأوسع . بيد أنّ الفرق شاسع ، كما تُعلّمنا أدبيّاتنا ، بين الاُعتزاز والتعصّب .. تماما كما انّ هناك اُنتماء أرقى من سواه فالاُنتماءات القوميّة لا تلغي ما دونها لكنها تُقدَّم عليها حين يتعلّق الأمر بسُلَّم التّراتب في تحديد العلاقات بين الناس في ما هو شان عام . ..فالفرز والتصنيف السّياسيان لا يتمّان على اساس عائلي او عشائري أو قبليّ أو مناطقي وإنما من داخل الرابطة القومية ... بل إن أدبياتنا العقائديّة ّتُعلمنا ألا نتعصّب حتى لقوميّتنا ..فهي ليست أرقى من باقي القوميات .. ولانسعى إلى أن تكون معتدية عليها مُتوسّعة علىحسابها .. بل قصارى فعلنا أن تكون نِِدًٍّا لغيرها سيّدةً تقرير مصيرها ..
فإذا كان هذا هو فهمنا العقائدي لطبيعة التشكيلات الاجتماعية والرّوابط بينها فمن باب أولى وأحرى فإن المُنتسب إلى حزب يحتكم إلى هذه الضوابط لا يمكن بأيّ حال أي يكن فردانيا أو عائلويّا أو عشائرويّا أو قبيلويّا او حتى قومويّا شوفينيّا .
4 - الواقعيّة والوقوعيّة :
هذا الفصل المفاهيميّ بين اللّفظين ضروريّ للغاية فإن كان الأول محمودا منشودا فإنّ الثاني يجب أن يكون مردودا .
إن الفعل السياسيّ الناضج لا يمكن إلا أن يتحلّى بالواقعيّة لأنه بذلك وحده يكون فعلا مفتوخا على آفاق أرحب .. فالواقعيّة تعني اخذك بعين الاعتبار حدّي المكان والزمان والسياقات التاريخية العامة والوضع القطري والإقليمي والدولي وحجم إمكاناتك في كل خطوة تنوي قطعها او خطة تستعدّ لرسمها .. إن الواقعية تعني ببساطة تسليمك بأن كل الاشياء والظواهر خاضعة في وجودها إلى قوانين عامة .. وأن فعل الإنسان لتغيير واقعه لا يتم إلا بأخذك تلك الحقيقة بعين الاعتبار ..وإلا سقطت في المثالية ..وأهدرت وقتا وجهدا في ما لا يعني ..واُنتهيت ربما إلى إحباط .. فهزيمة نفسية إن أنت رسمت أهدافا غير واقعيّة . إنّ الواقعيّة ، ببساطة ، هي فهمك النّاضخ للقوانين التي تحكم الواقع حتى يُتاح لك رسم الخطط المناسبة لتغييره لا الاُرتهان إليه .
أمّا الوقوعية فهي على النقيض من ذلك .. إنّها اُستسلام للواقع وتسليم به رغم إمكان تغييره بتدخل الإنسان قائدا لخركة التطور .. إن الوقوعية تعني التفريط في الثوابت والخطوط الحمراء والأهداف الاستراتيجيّة بدعوى إكراهات السياسة و ضغوط الواقع .. وتلك ليست. في الحقيقة ، غير أقنعة مُضَلّلةٍ تبرّرُ ، غالبا ، ممارساتٍ وصوليّةً اُنتهازيّةً تُغَلّب فيها مصالح ذوات أو شلل مُتضخّمة على حساب مشاريع جمعيّّة مُوَحِِّدَةٍ .
إن صمّام الأمان الذي يخصّن أحزاب المشلريع الكبرى من الاُنزلاق إلى الوقوعيّة بدعوى نشدان الواقعيّة يظلّ دائما ، في قناعتنا الراسخة ، هو شدّها بالنّواجذ على قُرصها الصُّلب مُمثّلا في مرجعيّتها العقائديّة وغلق الباب نهائيا عن دعاوى مضلّلة من قبيل اُنتهاء عصر الإيديولوجيّات ..
إنه من الحكمة ، فعلا ، القول بوجوب تخفيف متسوب حضور الخطاب الإيديولوجي في سياقات معيّنة أو حسن تنزيل العقائدي في ممارسة سياسيّة ما ..لكن من العبث بل من الخطورة الكبرى بمكان اُحتمال التنصّل التدريجيّ من الثوابت العقائديّة المركزيّة بدعوى الواقعيّة السياسبٍة ..فيتحوّل حزب ما إلى مجرّد رقم حزبيّ لا هويّة له .. ولا بصمةَ .. ولا طعمَ .. ولالونَ .. ولا رائحة ..وهو أوّل السّبيل إلى الصّمور ..فالاُندثار .
ببساطة مطلقة .. إن المرجعيّة العقائديّة ، في رأينا دائما ، ستظلّ هي صمّام الأمان الرّئيس لسلامة الفِعلين السّياسيّ والتّنظيميّ قي آن .
5 - في الالتزام الأخلاقيّ :
ليس من قبيل التّرف الحديث عن الالتزام الأخلاقيّ ..فأدبيّاتنا تعُدّ ذلك أولويّة على الاُنتماء الفكريّ والسيّاسيّ .. وهذا تقدير حكيم وناضج ومُؤصَّل في محيطنا الحضاريّ ..
إنّ أصحاب المشاريع العظيمة يستنكفون من الكبائر القيميّة سرقة وغشّا وكذبا وسرقة ..بل ومُعجما ..فهم لا يُجيزون لأنفسهم اُستعمال النّابي من القول حتى في مجالسهم الخاصّة ..فما باللك خارحها وإن اٌسْتُفِزُّوا ..
إن المنتسبين إلى هذا الضّرب من أحزاب المشاريع المجتمعيّة الكبرى لا يملكون ذواتهم بمجرّد الانخراط فيها بصرف النظر عن منزلتهم التنظيميّة .. وإن كان المُتحملون مسؤوليات تنظيميّة مُطالبين أكثر من سواهم بالالتزام بمنظومة قيَمِيّة صارمة .. إنّ كلُ ما يصدر عنهم من قول أو فعلا يُحسَب لمشروعهم أو عليه .. وفرق واضح بين اُخترام الحرية الشخصية والالتزام الحزبيّ ..
أن تكون بين جدران غرفتك ..فلك أن أن تمارس حريتك الشخصيّة ..أما بمجرّد أن تغادر ذاك المربّع.. فما عدت ملكا لنفسك ..عليك ان تستشعر في كل زمان ومكان في الفضاء العام أنك لست خرا في ان تقول ما تشاء .. وتتصرّف كيفما تشاء ..لأن كلمة بسيطة سائبة او فعلا وحيدا منفلتا قد ينسف بناء نبيلا سهرت على تشييده أجيال متعاقبة.
كلّ حزب ذي مشروع تقدّمي عليه ألا يتسامح مطلقا او يتساهل مع هكذا قول أو تصرّف لا مسؤول يسيء إلى رأسماله الرمزي وهو ، لعمري ، أعظم ما يمتلكه على الإطلاق : الصّدق والمصداقيّة للإقناع بمشروعه البديل وتوطينه وتنفيذه في الواقع العربي مغربا ومشرقا ّ.