كيف نفهم العقيدة الأمنية و العسكرية للكيان الصهيوني

كيف نفهم العقيدة الأمنية و العسكرية للكيان الصهيوني
شوكت سعدون | كاتب عربي


الأمن القومي حقل معرفي واسع من حقول علم السياسة ويدرس في أقسامه وكلياته وترتبط به علوم
واختصاصات مختلفة وفي أبسط تعريفاته:
(الإجراءات التي تتخذها الدولة في حدود طاقاتها للحفاظ على كيانها ووجودها ومصالحها في الحاضر والمستقبل، مع مراعاة المتغيرات الإقليمية والدولية)(2) وطاقات وقدرت الدول تقاس بمحصلة "عناصر وقدرات قوة" الدولة مطروحاً منها محصلة عناصر ضعفها وهي هنا في إطار ما هو ذاتي ويخص الدولة، مضافاً إليه قوتها التحالفية ولهذا لاحظنا أن تحالفات الكيان ارتبطت دوماً بالتحالف مع القطب الدولي الأهم وفي إطار النظام الدولي القائم وبما يحقق مصالحها كما ورد في التعريف السابق.


وفي معرض تعريف الأمن القومي وبالرغم من ومجود عدة تعريفات بالغة الكثرة فإنني أخذت بتعريف أمين هويدي مدير المخابرات العامة ووزير الحربية المصري السابق والذي أشرنا إليه آنفاً (3). تعريف هويدي أشار إلى: (في حدود طاقاتها) ولكن قد تكون الطاقات موجودة ومتوافرة ولكنها ومع توافرها، إلا أنه لا تتوافر معها القدرة والإرادة على جعل هذه الطاقات قابلة للتطبيق والممارسة العملية واقعياً، فتصبح حينها معطلة وعاجزة لأسباب كثيرة منها "التبعية" التي تقوض مبدأ سيادة الدولة واستقلالها وحيث أن الأمن القومي يتعامل مع مهددات كثيرة منها المهددات الوجودية فإن التبعية واختراق السيادة والاستقلال من هذه المهددات التي ترقى إلى المهددات الوجودية، فالوجود والاستمرار حاضراً ومستقبلاً مضمنان في تعريف هويدي.


مسألة أخرى لم يتطرق إليها هويدي وهي تحقيق الأهداف حيث أن الدول تسعى لتحقيق أهدافها وربما أنه قرن الأهداف بما ذكره عن (الإجراءات) المتخذة، ولكن الإجراءات قد لا تستطيع تحقيق الأهداف بمستوياتها الاستراتيجية/ القومية / الوطنية - الاستراتيجية العليا Grand Strategy - أو على المستوى الإقليمي والدولي وهذا يعود لأسباب عديدة منها عدم تناسب الأهداف مع الوسائل والإمكانات وهي جزء من الطاقات التي أشار إليها هويدي.
وإذا ربطنا توفر القدرة والإرادة على تحقيق الأهداف الاستراتيجية الوطنية والإقليمية والدولية فإن الدول تلجأ أحياناً إلى إبرام التحالفات المختلفة سرية أم علنية، ثنائية أم متعددة، استراتيجية ودائمة أم مؤقتة وفي إطار من ندية التحالف واحترام السيادة وعدم المساس بها، وعدم التبعية، والأخذ بعين الاعتبار أشكال ومضامين وأهداف ومستويات التحالفات لتحقيق الأهداف، فإن ذلك يخرجنا من إطار الذاتي إلى إطار الآخرين، في إطار العلاقات الإقليمية والدولية فإن التحالفات تزيد من الطاقات، والتحالفات في أبسط مفاهيمها هي إضافة قوة من فتحالف معه إلى قوتنا، وكل ما اشير إليه بالضرورة أن يكون في إطار مدركات صناع القرارات.


من كل ما أشر إليه من الإضافات المار ذكرها إلى تعريف هويدي السابق للأمن القومي فإن تعريفي للأمن القومي هو: (الإجراءات التي تتخذها الدولة لتنفيذ أهدافها السيادية في حدود طاقاتها الذاتية والتحالفية المتناسبة مع إمكاناتها ووسائلها وقدراتها وإرادتها الذاتية وندية علاقاتها للحفاظ على كيانها ووجودها واستمراريتها وعدم تبعيتها واستقلالها ومصالحها في الحاضر والمستقبل مع مراعاة المتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية وضمن إطار مدركات صناع القرار).
الأمن القومي يتعامل مع المهددات التي تهدد الوجود والمصالح بوصف أن المصالح عنصر من عناصر الوجود والاستمرار والأمن القومي إذ ينطلق من الحفاظ على الوجود فإنه يتعامل بالأساس مع مكان الوجود وأعني هنا الجغرافيا وما يرتبط بها من موقع جيوسياسي إضافة إلى شكل الدولة طولي أو عرضي أو مربع ويرتبط بجغرافيا الدولة ومساحتها والشكل والمساحة يرتبطان بمسألة العمق عمق المكان الجغرافي ويرتبط به العمق الدفاعي والعمق الاستراتيجي والأخير يتعامل بوجود الدولة الجغرافي ضمن الإقليم الذي تنتمي إليه وفي حالة الكيان فإنه ينتمي إلى إقليم غرب آسيا الذي يعتبر من أهم الأقاليم الجيواستراتيجية في آسيا بل والعالم ولهذا لاحظنا أن هيرتزل ركز على الوجود في مواجهة آسيا كموقع أمامي للحضارة الغربية، كما ذكرت في الاقتباس الوارد من يوميات هرتزل من عناصر قوة الدولة قوتها العسكرية والقوة العسكرية تتفاعل وتترابط بتأثيرات متبادلة التأثير مع عناصر القوة الأخرى الاقتصادية والبشرية ومظهر وشكل الدولة الجغرافي وقوتها السياسية والقوة السياسية هنا تعني مدى القدرة على التأثير في الإقليم الجيواستراتيجي الذي تنتمي إليه الدولة وفي النظام الدولي ككل ويضاف لهذا كله ونتيجة لتعاظم دور الامن السيبراني أي القوة السيبرانية للدولة.
وما يخص القوة العسكرية للدولة فإن المرتكز الأساسي فيها يستند على العلم العسكري والذي يشمل فن الحرب وهو حقل معرفي واسع ومكوناته هي العقيدة العسكرية للدولة ويتفرع عنها الاستراتيجية وفن العمليات والتكنيك والتكتيك العسكري والتاريخ العسكري للدولة.


إن عناصر قوة الدولة المشار إليها تشتكل المرتكز الأساسي في صياغة ما يسمى (العقيدة تشكل الأمنية للدولة) وهي قد تكون مكتوبة ومصاغة أو أنها تتم وفق أعراف وإجراءات وتدابير تتم في سياق تطوري عبر مراحل قيام الدولة وتشكلها أي في مراحل تاريخها وفي العموم في سياق التاريخ.
ولهذا نرى ترابطاً وتأثيراً وتفاعلاً متبادلاً بين العقيدة الأمنية للدولة وعقيدتها العسكرية سواء كان ذلك
مكتوباً أو غير مكتوب وهذا يقودنا لتعريف معنى العقيدة.