جنوب لبنان بين تكتيكات الالتفاف وحدود قوة الحسم البري
ادهم صادق | كاتب عربي
في مشهدٍ ميدانيّ متحرّك، يواصل العدو الصهيوني عملياته في جنوب لبنان وفق مقاربة عسكرية تقوم على الالتفاف والعزل بدل الاقتحام المباشر. هدف هذا الأسلوب هو تقليل الخسائر وتسريع تحقيق إنجازات شكلية، لكنه في العمق يعكس مأزقًا بنيويًا في القدرة على الحسم البري داخل بيئة قتالية معادية ومتمرّسة.
منذ البداية، سعى العدو إلى تنفيذ فصل جغرافي في عرض جنوب الليطاني، عبر تقطيع مناطق المقاومة إلى جيوب منفصلة. في القطاعين الغربي والأوسط، تجنّب الدخول إلى القرى، مكتفيًا بالتحرك حولها عبر مسالك مفتوحة وأودية، في محاولة لقطع خطوط الإمداد وعزل مراكز الثقل، خصوصًا في بنت جبيل ومحيطها. هذا النمط يوفّر صورة “تقدّم” سريعة، لكنه يبقي السيطرة هشة ومؤقتة، ويجعل القوات المتقدمة عرضة للاستهداف.
في المقابل، تظهر حدود هذا التكتيك بوضوح في القطاع الشرقي، حيث فشلت محاولات التوغل والتثبيت في أكثر من محور، لا سيما في اتجاه وادي الحجير. الكمائن المحكمة التي نفذتها المقاومة ألحقت خسائر بالآليات الثقيلة، فيما بقيت خطوط الإمداد فاعلة، ما حال دون تحقيق هدف العزل الكامل بين القرى.
تدير المقاومة المعركة بمنطق استنزافي طويل النفس، يرتكز على المرونة والتكتيكات اللامركزية، من كمائن متنقلة واستخدام مكثف للصواريخ المضادة للدروع والمسيّرات. في هذا السياق، لا يُقاس الإنجاز بالمساحة التي يتقدم فيها العدو، بل بكلفة هذا التقدم وقدرته على الاستمرار فيه.
إعلاميًا، يجري تضخيم التقدم الجغرافي كدليل على التفوق، رغم أن طبيعة هذا النوع من الحروب تجعل السيطرة الفعلية مرهونة بالقدرة على التثبيت، لا مجرد العبور. ومن زاوية قومية عربية، تمثل هذه المواجهة اختبارًا جديدًا لميزان الردع في المنطقة، بين محاولة إسرائيل إعادة فرض تفوقها المطلق، وسعي المقاومة إلى تثبيت معادلة الكلفة المرتفعة لأي عدوان.
الخلاصة أن العدو يحقق تقدّمًا موضعيًا بلا حسم، فيما تنجح المقاومة في فرض إيقاع استنزافي يقيّد هذا التقدم ويحوّله إلى عبء استراتيجي، ما يعيد التأكيد أن التفوق العسكري وحده لا يكفي لحسم الصراعات في هذا النوع من الحروب.