هل توجد فرصة؟
ادهم صادق: كاتب عربي
ملاحظة تحريرية: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب ولا تعبّر بالضرورة عن موقف هيئة التحرير.
لم تكن صدمة السابع من أكتوبر حدثاً عابراً، بل لحظة حاول العدو أن يخطفها سريعاً ويحوّلها إلى فرصة تثبيت: حرب مفتوحة بشرعية دولية مصطنعة، شدّ الحلفاء خلف روايته، وفرض وقائع ميدانية لا تُراجع. في الحروب الكبرى، لا يربح من يملك القوة فقط، بل من يملك سرعة التقاط اللحظة. غير أن اللحظة نفسها، إذا لم تُحتكر، يمكن أن تنقلب في الاتجاه المعاكس. فالتاريخ لا ينتظر الخطط الطويلة حين تتشقق الموازين فجأة؛ هناك نوافذ قصيرة، خاطفة، إن لم تُستثمر أُغلقت، وإن استُثمرت بدقة قلبت المعادلات.
اليوم، تتشكل نافذة مماثلة. في البحرين، حيث التطبيع فُرض فوق مجتمع رافض، يتقدم عامل جديد: إمكان تحييد القواعد الأميركية سياسياً أو عملياً، بما يترك السلطة في مواجهة مباشرة مع شعب منتفض بلا مظلة ردع خارجية. هذه ليست مسألة بعيدة أو نظرية؛ إنها لحظة ضغط فوري، تتبدل فيها الحسابات خلال أسابيع لا سنوات. حين يتراجع الغطاء الخارجي فجأة، يصبح التوازن الداخلي هشّاً، ويغدو الفعل الشعبي المنظم قادراً على فرض مراجعات سريعة: في موقع الدولة من التطبيع، في شكل الحكم، وفي طبيعة العقد السياسي. هنا، لا مجال لانتظار برامج ممتدة؛ المطلوب فعل سريع يراكم الضغط ويمنع إعادة تثبيت الأمر الواقع.
وفي لبنان، حيث الانهيار الاقتصادي والسياسي بلغ ذروته، تتبدى لحظة مشابهة. منظومة الطائف التي كانت تُدار بالترضيات البطيئة، باتت مكشوفة أمام جمهور منهك. إزاحة حكومة تدور في فلك الخارج ليست مشروعاً بعيد المدى، بل فرصة آنية إذا ما تلاقى الضغط الشعبي مع الانقسام داخل السلطة نفسها. التفكيك هنا لا يعني هندسة طويلة، بل ضربات سياسية متتالية تُسقط ركائز الشلل وتفتح مسار إعادة تأسيس سريع: قانون انتخاب طارئ خارج القيد الطائفي، قضاء يتحرر بقرارات جريئة، وسياسات اقتصادية توقف النزيف فوراً. اللحظة لا تنتظر الإصلاح النظري؛ إنها تطلب خطوات خاطفة تُربك الخصم وتمنعه من إعادة تجميع صفوفه.
الموارد البشرية والمادية موجودة، لكن ميزان اللحظة لا يقاس بحجم الموارد بل بسرعة استخدامها. شباب قادر على الحشد، منصات إعلامية قادرة على كسر الرواية، شبكات اجتماعية قادرة على الضغط… كل ذلك يفقد قيمته إذا تأخر. ما تحتاجه اللحظة هو عقول ترى في المخاطر نافذة، لا ذريعة للتردد؛ تدرك أن الفرص السياسية الكبرى قصيرة العمر، وأن الضربة الأولى في الزمن المناسب تغيّر معادلات أكبر من حجمها.
هكذا فقط تُربك الموازين: ضغط سياسي سريع في البحرين يفرض مراجعات تحت غياب الغطاء، وحراك داخلي في لبنان يطيح ركائز الشلل قبل أن تعود لتتماسك، أو غيرها من الفرص التي يمكن الاشتغال على تشكيلها.
ليست معركة إعداد طويل، بل استثمار في لحظة خاطفة، تُفتح فيها مربعات جديدة في الصراع، ويُجبر العدو على الدفاع بدل الهجوم. فاللحظات الكبرى لا تُصنع بالتمنّي، بل بالسرعة حين يتردد الآخرون، وبالفعل حين يظن العدو أن الزمن صار ملكه.