في الإبادات الثقافية

في الإبادات الثقافية
دكتور عبد الكريم مسعود
كاتب عربي ليبي

في العصر الحالي، لم تعد الإبادة الجماعية مشهدًا مقتصرًا على الدم والأشلاء، بل أضحت منظومةً متكاملةً من المحو والإلغاء. لم تعد المعارك مقتصرةً على ميادين القتال فحسب، بل امتدّت إلى الوعي الجمعي للشعوب، والمناهج، وشاشات الإعلام. فالموت لم يعد يُنزَل على الجسد، بل على الذاكرة. وهذا هو جوهر ما يسميه البروفسور منير العكش بـ«الإبادة الثقافية» — ذلك القتل البطيء الذي يُفرغ الشعوب من معانيها ليُعاد تعبئتها بمعانٍ مصنوعةٍ على مقاس السيد الغالب.

في كتابه «أمريكا والإبادات الثقافية» أدرك العكش مبكرًا أن المشروع الاستعماري الإمبريالي الغربي لا يكتفي بالهيمنة العسكرية، بل يسعى إلى اغتيال الوعي، إلى تحويل الإنسان المستعمَر إلى كائنٍ منزوع الأصل، فاقد المرجعية، لا يتذكر إلا ما يُسمح له بتذكّره. وإنّ أخطر أنواع الإبادة هي تلك التي تُمارَس بأدوات الثقافة نفسها: اللغة، والتعليم، والخطاب، والفن. ولأنها تجري في الضوء، فهي تُخفي جريمتها تحت أستار الحداثة، وتُبرّرها بالتقدّم، وتُسمّيها «التنمية» أو «الإصلاح».

لكن ما يهمّنا هنا ليس الماضي البعيد، بل الحدث الراهن: ذلك الوجه الداخلي للإبادة الثقافية الذي يمارسه أبناء الجلدة الواحدة على كل من قال «لا» من بني جلدتهم.

فقد صار الاغتيال المعنوي في مجتمعاتنا الوجهَ المحليّ للاستعمار الثقافي. كل من ثار على السائد، أو خرج من الصفّ المرسوم له، أو رفع صوته خارج جوقة الهيمنة، جرى تسويته في آلةِ تشويهٍ لا تقلّ عنفًا عن عنف القنابل والمدافع. تُفتَتح الحملة دائمًا بتقزيم الإنجاز مهما عَظُم، ثم بالنيل من أصحاب الإنجاز والمواقف، وإطلاق التهم الفارغة عليهم؛ فتارةً يُوصفون بالحالمين، وتارةً بالطغاة، وتارةً بالعملاء. ثم يُعاد تكييف البطل كـ«خائن»، حتى يُختصر تاريخه كلّه في «موقفٍ أو معركةٍ» واحدة، وتُبطَن كل هذه السلوكيات المنحرفة بمرادفاتٍ برّاقة كـ«الواقعية» و«المصلحة العامة».

الإبادة هنا تأخذ شكلًا خبيثًا: اغتيال الرموز بعد موتهم، ونزع القداسة عن المنجز، وتشويه الذاكرة الجماعية. كل من قال «لا» في لحظة ظلمة، يجد نفسه بعد أعوامٍ موضوعًا على طاولة التفكيك: تُقرأ تجربته كفشل، ويُنسب إليه ما لم يفعل، ويُمحى أثره من كتب المدارس وخطابات الاحتفال. هذا هو شكل «التطهير الرمزي» الذي تحدّث عنه علماء الذاكرة مثل بيير نورا وجان بودريار — تطهيرٌ يُبقي الجسد، لكنه يُفرّغ الوعي من أيّ أثرٍ للمقاومة.

في كتابه «أمريكا والإبادات الثقافية» يرصد العكش كيف استخدمت القوى الاستعمارية آلياتِ التعليم والتبشير لتجريد الشعوب من لغاتها وطقوسها، حتى صارت القبائل التي قاومت تُوصَم بالوحشية، ويُعاد «تأهيلها» في مدارس يسمّونها «التطهير الحضاري».

واليوم تُعاد اللعبة بأشكالٍ أخرى:

كل قائدٍ يرفض الانصياع يُصوَّر كطاغيةٍ عدوٍّ للحياة.

كل مثقّفٍ يخرج عن خطاب السوق يُتَّهَم بالانغلاق.

كل سياسيٍّ لا يركع للنظام يُجرَّد من تاريخه ويُنسى عمدًا.

تُدار هذه العمليات عبر إعلامٍ متخمٍ ببلاغة الاتهام، وعبر مؤسساتٍ ثقافيةٍ تُنفق على التلميع أكثر مما تُنفق على المعرفة.

إنّ ما يجري ليس مجرّد سوء تقديرٍ أو خصومةٍ فكرية، بل سياسةٌ منهجيةٌ للذاكرة. فالهيمنة، كي تبقى، تحتاج إلى تفريغ السرديات المناوئة، وإعادة تعبئتها ببدائل مطيعة. إنها الآلية ذاتها التي وصفها جورج أورويل حين قال:

«من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل، ومن يسيطر على الحاضر يسيطر على الماضي.»

ولذلك تُشنّ الحروب على المعنى لا على السلاح وحده، لأن المعنى هو ما يُنتج المقاومة.

حين يُغتال إرث المناضل، لا يُغتال وحده؛ بل يُغتال الجيل الذي كان يمكن أن يتخذه مرجعًا. وهكذا يتحوّل التاريخ إلى جدارٍ أبيض تُكتب عليه رواية المنتصرين بلا مقاومة. وتلك هي ذروة الإبادة الثقافية: الاحتلال الرمزي للذاكرة الجمعية.

الإبادة المعنوية أخطر من الإعدام الجسدي، لأنّ ضحاياها لا يُدفنون، بل يُعاد إنتاجهم بصورةٍ معكوسة. يُعرَضون كأمثلةٍ على «ما لا يجب أن نكونه». يُنتزعون من سياقهم ويُقدَّمون كعِبرة. وهكذا يتحوّل الثائر إلى رمزٍ للهزيمة، والمفكّر إلى مثالٍ على الفشل، والمناضل إلى مجنونٍ لم يفهم «منطق المرحلة».
هذه هي التقنية الكبرى في صناعة الخضوع: أن تُحوّل الرفض إلى خطأٍ أخلاقي.

ليس المقصود بالمقاومة هنا أن نرفع شعارًا، بل أن نحمي الذاكرة من التزييف، وأن نحرس الثقافة من الانحلال، والفكر من التبسيط، وأن نعيد للتاريخ معناه وصورته.

فكل سردية مقاومة تحتاج إلى مؤرخين لا يخافون في الحقّ لومة لائم، ومثقفين لا يخشون العزلة، وأن نحمي تراثنا الديني الصلب ونحفظه من عوامل التعرية والتفسّخ. تلك هي الضمانة الأخلاقية ضدّ الإبادة الثقافية.

ولعلّ أخطر ما يواجهه العالم العربي اليوم ليس القمع المادي، بل التطبيع الرمزي مع النسيان: أن نصمت حين يُشوَّه من قال «لا»، وأن نشارك — عن وعيٍ أو عن مصلحة — في اغتيال ذاكرة المناضلين. لأنّ النسيان ليس حالةً طبيعية، بل مشروع. إنه الموت المؤجّل الذي يُعيد إنتاج الطاعة جيلًا بعد جيل.

في نهاية المطاف، الإبادة الثقافية لا تمارسها الولايات المتحدة وحدها كما وصفها منير العكش؛ بل تمارسها كلّ سلطةِ هيمنةٍ عالميةٍ تخاف من ذاكرة شعوبها، وكلّ نخبةٍ تتواطأ على طمس أسماء الذين أناروا طريقها.
وحين تكتمل الجريمة، لا يبقى من الأمة إلا متحفٌ أنيق لضحايا بلا أسماء.

إنّ مقاومة هذا النوع من الإبادة تبدأ من إعادة الاعتراف، من أن نقول للأحياء والموتى معًا: لم تُهزموا، إن تذكّرتم. أن نعيد إلى الذاكرة أسماءها، لأنّ الذاكرة هي آخر ما تبقّى لنا من معنى.