تونس والجزائر: هندسة ردع مشترك في بيئة جيوسياسية معادية
جمال أولاد ادريس - باحث جزائري
لم تعد العلاقات التونسية-الجزائرية قابلة للاختزال ضمن الأطر الدبلوماسية الكلاسيكية أو حسابات البراغماتية الظرفية، إذ انتقلت، تحت ضغط التحولات البنيوية التي تعصف بالنظام العربي الرسمي، إلى مستوى تحالف استراتيجي ذي طبيعة وجودية. ففي لحظة تاريخية تتسارع فيها عمليات إعادة تشكيل المجال العربي وفق هندسة سياسية-أمنية تقودها ديناميات “الاتفاقات الإبراهيمية”، يبرز هذا التقاطع المغاربي بوصفه إحدى آخر بؤر الصمود السيادي التي ترفض الانخراط في منظومات التطبيع أو القبول بمنطق المقايضة بين الاستقلال الوطني ومتطلبات الاندماج القسري في ترتيبات إقليمية مفروضة. ما نشهده هنا لا يندرج ضمن سياق تقارب ظرفي، بل يعكس ما تصفه أدبيات التحليل الاستراتيجي بحالة “تلاقي التهديدات”، حيث تتقاطع مصادر الضغط الخارجي مع محددات الأمن القومي، بما يفرض على الدولتين الانتقال من التنسيق التقليدي إلى أشكال أكثر تقدماً من التكامل الوظيفي في إدارة المخاطر.
في هذا السياق، تتحرك الثنائية التونسية-الجزائرية داخل بيئة إقليمية تتسم بدرجة عالية من “السيولة الجيوسياسية”، حيث تتفكك أنماط التحالف التقليدية وتُعاد صياغة الاصطفافات وفق محددات أمنية واقتصادية جديدة، تتقدم فيها اعتبارات “الأمن المُعولم” على حساب السيادة الوطنية. هذا الواقع يضع البلدين أمام معادلة مركبة قوامها الحفاظ على الاستقلال الاستراتيجي في مواجهة محاولات الاحتواء، في ظل محيط إقليمي يشهد تحولات حادة. فمع انهيار الدولة الليبية في نموذج “التفكك الوظيفي” وما نتج عنه من فراغ أمني مزمن، ومع انخراط المغرب في مسار تطبيع متعدد الأبعاد، تبدو تونس والجزائر كأنهما كتلة سيادية شبه معزولة داخل فضاء يتجه نحو إعادة التموضع ضمن محور إقليمي جديد، الأمر الذي يضاعف من حجم الضغوط ويكثف من محاولات تطويقهما سياسياً وأمنياً.
ولا تقتصر هذه الضغوط على الأشكال المباشرة، بل تتجلى بشكل أكثر تعقيداً عبر ما يمكن توصيفه بـ“آليات الإكراه غير المباشر”، حيث تُستخدم أدوات الاقتصاد السياسي كوسائل ضغط لإعادة تشكيل القرار السيادي. فملفات الهجرة غير النظامية تتحول إلى ورقة ابتزاز جيوسياسي، والديون الخارجية تُستثمر كقيد بنيوي على الإرادة الوطنية، بينما تُوظف أزمات الساحل والصحراء كبيئة فوضوية لإنتاج تهديدات عابرة للحدود تستنزف القدرات الأمنية للدولتين. ضمن هذا الإطار، يصبح المجال الداخلي ذاته ساحة صراع، وتُستهدف البنية الاجتماعية والاقتصادية بهدف خلق هشاشة قابلة للاختراق، في سياق يندرج ضمن ما بات يُعرف في الأدبيات الأمنية بحروب الجيل الرابع، حيث تتداخل الأدوات الصلبة والناعمة في استراتيجية تفكيك متدرج لمقومات الدولة.
بالتوازي مع ذلك، يتعزز البعد الأمني للتحدي من خلال محاولات بناء “طوق احتواء” متعدد المستويات حول المجال المغاربي الرافض للتطبيع، عبر توسيع الحضور الاستخباراتي والعسكري غير المباشر في محيطه الجغرافي. هذا التمدد لا يستهدف فقط الحدود بالمعنى التقليدي، بل يسعى إلى اختراق العمق الاستراتيجي، خصوصاً في الامتداد الأفريقي الذي يشكل مجالاً حيوياً لكلا البلدين ضمن معادلات النفوذ والتوازن الإقليمي. هنا، لا يعود التهديد محصوراً في احتمالات المواجهة التقليدية، بل يتخذ طابعاً شبكياً مركباً، تتداخل فيه شبكات النفوذ، وحروب الوكالة، وآليات الاختراق الاستخباراتي.
أمام هذا المشهد المعقد، لم يعد كافياً الاكتفاء بصيغ التنسيق التشاوري، بل بات الانتقال نحو نماذج أكثر تقدماً من التكامل الأمني والدفاعي ضرورة استراتيجية. ويمكن قراءة الدينامية التصاعدية في العلاقات الثنائية، بما في ذلك الاتفاقيات الدفاعية والتنسيق الأمني المتزايد، باعتبارها تعبيراً عن إعادة صياغة العقيدة الأمنية في اتجاه بناء قدرة ردع مشتركة، تقوم على تكامل استخباراتي يسمح بإنتاج صورة عملياتية موحدة لمسرح التهديدات، وعلى تنسيق ميداني يعزز التحكم في الفضاءات الحدودية، وعلى مواءمة سياسية تحول دون تفكيك هذا التقارب عبر الضغوط الخارجية. بهذا المعنى، يتحول المحور التونسي-الجزائري من مجرد إطار تعاون ثنائي إلى نواة صلبة لإعادة تشكيل توازنات إقليمية بديلة، ولو في حدها الأدنى الدفاعي.
في نهاية المطاف،لا يمكن مقاربة هذا التقارب خارج سياق الصراع الأوسع على إعادة تعريف موقع الدولة الوطنية العربية ضمن النظام الدولي المتحول. فالثنائية التونسية-الجزائرية لا تعبر فقط عن موقف سياسي رافض للتطبيع، بل تجسد محاولة لإعادة إنتاج مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي” في بيئة دولية تتجه نحو تكريس التبعية وإعادة توزيع الأدوار الوظيفية. إنها، في جوهرها، استجابة بنيوية لضغوط منظومة دولية تسعى إلى إخضاع المجال العربي لمنطق الهيمنة متعددة الأدوات، حيث يصبح الصمود ضرورة أمنية تمليها معادلات البقاء في نظام إقليمي ودولي يتسم بتزايد الاختلال وانكماش هوامش السيادة.