عقيدة الفسيفساء: هندسة البقاء تحت النار

عقيدة الفسيفساء: هندسة البقاء تحت النار
محمد صادق اليحياوي باحث في العلوم السياسية

في قراءةٍ تتجاوز السردية الاختزالية لمسارات التحوّل في العقيدة العسكرية الإيرانية، يمكن مقاربة ما جرى بعد عام 2003 بوصفه إعادة تموضع شاملة داخل ما يُعرف في الأدبيات الاستراتيجية بـ«بنية الردع غير المتكافئ». ينطلق هذا التحوّل من إدراك فجوة القدرات الصلبة، ولا سيما في المجال الجوي، مقابل الولايات المتحدة، ليُعاد تعريف مفهوم الردع ذاته من كونه توازناً تقليدياً في القوة، إلى كونه قدرة على تعطيل فعالية الخصم وإغراقه في بيئة عملياتية معقّدة وممتدة زمنياً.

في هذا السياق، يمكن استحضار قراءة الفريق المصري الراحل سعد الدين الشاذلي، الذي قاد التخطيط العملياتي للجيش المصري خلال حرب أكتوبر 1973، حيث شدّد في مذكراته وتحليلاته اللاحقة على أن جوهر النجاح لم يكن في مضاهاة التفوق الجوي "الإسرائيلي"، بل في تحييده عبر بناء «مظلّة دفاع جوي» كثيفة، والالتزام بعمق عملياتي محدود يضمن بقاء القوات ضمن نطاق الحماية. هذه المقاربة تؤسس لمنطق استراتيجي واضح: إدارة فجوة القدرات لا تتم بمحاولة تعويضها مباشرة، بل بإعادة هندسة مسرح العمليات بحيث تُقيَّد فعالية الخصم وتُستثمر نقاط ضعفه البنيوية.

انطلاقاً من هذا المنطق، لا تبدو التحولات الإيرانية مجرد استجابة ظرفية لتجربة العراق، بل امتداداً لمدرسة تفكير عسكري تقوم على تفكيك نقاط تفوق الخصم بدل الاصطدام بها. فبدلاً من السعي إلى امتلاك تفوق جوي موازٍ، جرى الاستثمار في «منظومات الرفض» (Anti-Access/Area Denial)، التي تحوّل المجال العملياتي إلى بيئة طاردة للتفوق المعادي.

ضمن هذا الإطار، انتقلت إيران من نموذج «الجيش النظامي المركزي» إلى نموذج «الشبكة القتالية اللامتمركزة»، حيث يُعاد تعريف القيادة والسيطرة (C2) ضمن بنية موزّعة (Distributed Command Structure)، تسمح للوحدات بالعمل باستقلالية تكتيكية، مع الاحتفاظ بترابط استراتيجي عام. الهدف هنا هو تقويض فعالية الضربات الاستباقية التي تستهدف شلّ القيادة المركزية، وهي إحدى ركائز العقيدة الأمريكية في الحروب الحديثة.

ولا يمكن فصل هذا التحول عن تجارب ميدانية أخرى، أبرزها حرب تموز 2006، التي أظهرت حدود القدرة على تحقيق «الحسم السريع» في مواجهة بنية قتالية موزّعة وقادرة على إعادة إنتاج نفسها تحت الضغط. في تلك التجربة، لم يعد «مركز الثقل» هدفاً قابلاً للتدمير، بل تحوّل إلى شبكة مرنة، ما فرض على الخصم الانخراط في حرب استنزاف مفتوحة.

أما على مستوى الانتشار العملياتي، فقد جرى استيعاب درس «قابلية الاستهداف» (Targetability) الذي أسقط البنية النظامية للجيش العراقي عام 2003. فبدلاً من التمركز في تشكيلات كثيفة، تم تبنّي نمط «الانتشار المرن» (Flexible Dispersion)، القائم على تقليل البصمة الرادارية والحرارية، وتوسيع استخدام المنشآت المحصّنة، بما يعزز «القدرة على البقاء» (Survivability) كعنصر حاسم في استمرارية القتال.

في المقابل، تطوّر البُعد الصاروخي ليشكّل العمود الفقري للقدرة الهجومية، ضمن ما يُعرف بـ«الضربات التعويضية بعيدة المدى» (Long-range Compensatory Strikes)، حيث تتيح الصواريخ، سواء الثابتة أو المتحركة، تجاوز قيود التفوق الجوي، وفرض معادلة ردع تستهدف العمق الاستراتيجي للخصم.

كما أن البعد المعنوي ظلّ عنصراً مركزياً في هذه المنظومة. فالتجارب التاريخية، كما أشار الشاذلي نفسه، تؤكد أن تماسك «الإرادة القتالية» لا يقل أهمية عن تماسك البنية العسكرية. لذلك، جرى الاستثمار في بناء دافعية عقائدية تعيد تعريف القتال بوصفه صراعاً وجودياً، ما يعزز القدرة على الصمود في بيئات قتال غير متكافئة.

لكن العنصر الأكثر حسماً يبقى الزمن. فبينما يسعى النموذج الأمريكي إلى «الحسم السريع» عبر صدمة مركزة، تقوم هذه المقاربات على «إطالة أمد الصراع» (Protracted Warfare)، بحيث يتحول الزمن إلى أداة استنزاف بنيوي لقدرات الخصم.

تكشف هذه المقاربة، عند ربطها بين دروس حرب أكتوبر 1973 وتجربة العدوان على العراق 2003 وحرب تموز 2006، أن التحولات في العقائد العسكرية لم تعد تُبنى على مراكمة القوة فقط، بل على إعادة تعريف شروط استخدامها. في هذا الإطار، يصبح «إدارة الضعف» أداة قوة بحد ذاتها، ويغدو حرمان الخصم من تحقيق نصر حاسم هو التعبير الأكثر واقعية عن الانتصار في الحروب غير المتكافئة.