إيران × أميركا: جدلية القوة العسكرية في مواجهة الاستراتيجية الشاملة
اللواء خالد كريدية القيادي في الحرس القومي العربي
لا تبدو الضربة العسكرية المحدودة، في سياق الصراع الأميركي – الإيراني، سوى تعبيرٍ مكثّف عن عجز القوة الصلبة حين تُنتزع من سياقها الاستراتيجي الأشمل. فاستهداف قاعدة هنا أو مخزن أسلحة هناك، مهما بلغت دقته التقنية أو رمزيته السياسية، لا يرقى إلى مستوى الفعل القادر على إعادة تشكيل معادلات القوة أو كسر إرادة دولة بُنيت عقوداً على منطق الصمود والتكيّف.
الطبيعة المحدودة لأي ضربة من هذا النوع تعني، حكماً، ضرب مواقع منتقاة بعناية لتجنّب الانزلاق إلى حرب مفتوحة، وتحقيق تأثير تكتيكي مؤقت، يصلح للاستهلاك السياسي أو لبعث رسائل ردع سريعة. غير أن هذه المحدودية نفسها تتحول إلى قيد بنيوي: فهي لا تمس جوهر القرار السياسي في طهران، ولا تغيّر المسار النووي أو الاستراتيجي بعيد المدى، بل قد تفضي، إلى نتيجة معاكسة، عبر تعزيز منسوب التعبئة الداخلية وتوسيع هامش الاشتباك غير المباشر.
إيران، بخلاف ما تفترضه بعض القراءات الاختزالية في واشنطن، لا تقف في موقع المتلقي السلبي. لقد راكمت قدرة مقاومة “مبرمجة” تقوم على منظومة صاروخية متعددة المديات، وشبكة دفاع جوي وصاروخي آخذة في التطور، إضافة إلى أطراف إقليمية حليفة تجيد فن المشاغلة العسكرية وتفكيك التفوق التقليدي عبر حروب الاستنزاف والضغط المتدرج. هنا، لا تصبح الضربة المحدودة فعلاً معزولاً، بل حلقة في سلسلة تفاعلات مفتوحة على احتمالات متعددة.
المشكلة الجوهرية أن المقاربة الأميركية غالباً ما تخلط بين القوة العسكرية بوصفها أداة، والقوة الشاملة بوصفها استراتيجية. فالضربة العسكرية، مهما بلغت شدتها، تظل وسيلة جزئية. أما القوة الشاملة، فهي مزيج معقّد من اقتصاد المعرفة، والعقوبات، والتفوق التكنولوجي، والنفوذ المالي الدولي، إضافة إلى شبكة التحالفات الإقليمية والدولية، والتوازنات الدقيقة في الخليج والشرق الأوسط، وصولاً إلى القدرات الاستخباراتية والسيبرانية التي باتت ساحة اشتباك قائمة بذاتها.
من هذا المنظور، قد تحمل الضربة المحدودة قيمة رمزية عالية، لكنها تظل عاجزة عن تعديل المعادلة الاستراتيجية. بل إن الرد الإيراني المحتمل، حتى لو جاء مضبوط الإيقاع، قد يتخذ أشكالاً متدرجة: من استهداف غير مباشر لحلفاء واشنطن في المنطقة، إلى الضغط على البنى الحيوية، ورفع مستوى التوتر الإقليمي، وتعطيل خطوط التجارة أو إمدادات الطاقة، وصولاً إلى تعزيز التحالفات الإقليمية واستقطاب شركاء جدد ضمن استراتيجية مواجهة طويلة النفس.
صحيح أن واشنطن قد توظّف الضربة المحدودة كجزء من لوحة أوسع: لاختبار قدرة الردع الإيرانية، أو لإرسال رسائل للداخل الأميركي والحلفاء، أو لرفد مسار العقوبات الاقتصادية بجرعة “قوة” محسوبة. إلا أن هذا الاستخدام التكتيكي لا يحوّلها تلقائياً إلى استراتيجية مكتملة. فالأهداف الكبرى، حين تتعلق بتغيير سلوك دولة أو تفكيك نموذجها السياسي – العقائدي، لا تُنجز بأدوات مجتزأة.
الخلاصة أن الضربة العسكرية المحدودة ليست سوى تكتيك عابر في صراع طويل، لا استراتيجية حاسمة. وأي رهان على تغيير حقيقي في نهج إيران يفترض مقاربة مركّبة تجمع بين الضغط الاقتصادي، والقوة العسكرية، والتحالفات السياسية، والدبلوماسية النشطة. أما الاكتفاء بلغة الصواريخ وحدها، فليس سوى إعادة إنتاج لوهم القوة.
لقد استثمرت إيران، على مدى العقود الماضية، في بناء استراتيجية دولة وثورة متعددة الأبعاد، ما يجعل أي ضربة محدودة عاجزة عن تحقيق الهدف الأساس الذي يتردد في الخطاب الغربي: كسر إيران أو تفكيك نظامها السياسي والعقائدي. وفي هذا التناقض تحديداً، تتجلى حدود القوة حين تُفصل عن العقل الاستراتيجي.