تساؤلات حول أزمة الهجرة في سبتة المحتلة: هل يدفع الشعب المغربي ثمن ارتهان النظام لمحور واشنطن والكيان الصهيوني؟

تساؤلات حول أزمة الهجرة في سبتة المحتلة: هل يدفع الشعب المغربي ثمن ارتهان النظام لمحور واشنطن والكيان الصهيوني؟
فادي أحمد | ناشط سياسي

لم تعد التطورات المتسارعة في مدينة سبتة العربية المحتلة تُقرأ بوصفها مجرد موجة هجرة غير نظامية أو أزمة حدودية عابرة فرضتها الظروف الاقتصادية والاجتماعية. فالمشهد المأساوي لآلاف الشباب المغاربة، بل وحتى القاصرين وكبار السن، وهم يخاطرون بحياتهم بحثًا عن السراب الأوروبي، يكشف عن أزمة أشد عمقًا، تتشابك فيها عوامل داخلية مع حسابات إقليمية ودولية، وتتحول فيها الهجرة من قضية إنسانية إلى ورقة في لعبة الأمم.

ما وراء التدفقات البشرية

حين تشهد سبتة المحتلة موجات عبور غير مسبوقة في ظرف زمني قصير، يصبح من المشروع طرح أسئلة تتجاوز التفسير التقليدي القائم على الفقر والبطالة وحدهما. فهل نحن أمام انفجار اجتماعي تلقائي؟ أم أن المشهد تحكمه اعتبارات سياسية واستراتيجية أوسع، اختار فيها النظام المغربي أن يكون أداة ضغط بيد المحور الأمريكي الصهيوني؟

وقد أثارت المشاهد المتداولة، وما رافقها من حديث عن تراخٍ أمني على المعابر، تساؤلات حول طبيعة الدور الذي تؤديه الأجهزة الرسمية في إدارة هذا الملف، وما إذا كانت الحدود قد تحولت إلى أداة ضغط سياسي تُستخدم وفق مقتضيات التوازنات الإقليمية، بما يتجاوز مقتضيات حماية السيادة الوطنية وخدمة المصالح العليا للشعب المغربي.

السياق الإقليمي والدولي

لا يمكن فصل هذه التطورات عن المناخ السياسي الذي تشهده العلاقات بين مدريد من جهة، وواشنطن والكيان الصهيوني من جهة أخرى، على خلفية مواقف الحكومة الإسبانية الداعمة للحقوق الفلسطينية، واعترافها بالدولة الفلسطينية، وانتقادها للحرب على غزة، فضلًا عن اتخاذها إجراءات حدّت من التعاون مع الاحتلال في بعض المجالات.

وقد رافقت تلك المواقف حملات ضغط وانتقادات سياسية صدرت عن دوائر أمريكية وصهيونية، ترافقت مع تهديدات ضمنية ومواقف تصعيدية تجاه الحكومة الإسبانية، سواء بسبب سياساتها في الملف الفلسطيني أو مواقفها داخل حلف شمال الأطلسي.

وفي أعقاب أزمة سبتة، برزت كذلك دعوات أوروبية بقيادة ايطاليا وفنلندا لطرد اسبانيا من منطقة الشنغن، بداعي حماية المنطقة من خطر الهجرة الداهم وهو ما زاد من تعقيد المشهد وأضفى عليه أبعادًا تتجاوز الإطار الثنائي المغربي الإسباني.

الهجرة... أداة في الصراع الجيوسياسي؟

تفرض هذه المعطيات جملة من الأسئلة المشروعة:

هل تحولت الهجرة وإدارة الحدود إلى أدوات ضغط تستخدمها الدول في صراعاتها السياسية والاستراتيجية؟

وهل أصبحت الجغرافيا والحدود أوراقًا تفاوضية في صراع الإرادات بين القوى الكبرى؟

لقد سبق أن شهد العالم نماذج مشابهة استُخدمت فيها ملفات الهجرة كورقة ضغط سياسي، الأمر الذي يدفع إلى التساؤل عما إذا كانت أزمة سبتة تدخل، جزئيًا أو كليًا، ضمن هذا السياق.

وفي جميع الأحوال، يبقى الخاسر الأكبر هو المواطن المغربي، الذي يجد نفسه بين مطرقة الأوضاع الاقتصادية وسندان الحسابات الجيوسياسية، بينما يتحول حلمه في حياة كريمة إلى أداة يمكن توظيفها في صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.

ومن هنا يبرز سؤال السيادة الوطنية: هل أصبح القرار المغربي مستقلًا في إدارة الملفات الاستراتيجية، أم أنه بات يتأثر بتحالفات خارجية تفرض كلفتها على المجتمع والدولة معًا؟

إن أزمة سبتة المحتلة ليست مجرد ملف هجرة، بل هي مؤشر على تداخل الاجتماعي بالسياسي، والإنساني بالجيوسياسي. وهي تطرح، قبل كل شيء، سؤال استقلال القرار الوطني وقدرة الدولة على حماية مصالح شعبها بعيدًا عن ضغوط المحاور الدولية.

فالتاريخ يعلمنا أن الأنظمة التي تربط خياراتها الاستراتيجية بإرادة القوى الخارجية سرعان ما تجد نفسها مطالبة بسداد أثمان سياسية واقتصادية وأمنية باهظة. أما التحالفات التي لا تقوم على الندية واحترام السيادة، فإنها تتحول مع الزمن من مصدر دعم مزعوم إلى مدخل لاختراق القرار الوطني وإضعاف الأمن القومي.

ويبقى الثابت أن مستقبل المغرب، كما مستقبل الأمة العربية، لا يمكن أن يُبنى على الارتهان للخارج، بل على إرادة وطنية مستقلة، وسيادة حقيقية، وتنمية تحفظ كرامة المواطن، وتمنع تحويله إلى ورقة في صراعات الآخرين.