شركات التكنولوجيا في خدمة حرب الابادة: مايكروسوفت والكيان

شركات التكنولوجيا في خدمة حرب الابادة: مايكروسوفت والكيان

حسام عبد الكريم
كاتب من الاردن

لم تعد الحروب في القرن الحادي والعشرين تُدار عبر السلاح وحده. فإلى جانب الطائرات والدبابات، هناك بنية أخرى لا تقل اهمية: مراكز البيانات، الحوسبة السحابية، وأنظمة الذكاء الاصطناعي. هذه البنية لا تُرى في ساحات القتال، لكنها باتت شرطًا لعملها.

*****

على مدى عقود, نسجت شركة مايكروسوفت(Microsoft) الامريكية العملاقة علاقة استراتيجية وثيقة مع الكيان الصهيوني. واليوم يعتبر الكيان احد المحاور الأساسية للشركة عالمياً في مجالات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية. والكيان هو, تاريخياً, أول"بلد" تؤسس فيه مايكروسوفت مركزاً للبحث والتطوير خارج الولايات المتحدة. وقد استعنا ببرامج الذكاء الاصطناعي للتعرف على المدى الذي وصلته علاقة مايكروسوفت مع الكيان الصهيوني, والذي يتجاوز بكثير اي علاقة استثمارية عادية بين شركة كبرى وبلد اجنبي.

فيما يلي تفصيل لكافة محاور وسجل الاستثمارات والعقود بين الطرفين:

  1. مراكز البحث والتطوير(R&D Centers)

يُعد الكيان الصهيوني مركزاً استراتيجياً لأعمال مايكروسوفت في مجال البحث والتطوير. تأسس مركز البحث والتطوير التابع لمايكروسوفت في الكيان عام1991، وهو أحد أهم ثلاثة مراكز استراتيجية للشركة على مستوى العالم(إلى جانب مركزيها في الولايات المتحدة والصين). تتوزع مقرات مايكروسوفت في عدة مدن أبرزها تل أبيب، وهيرتسليا(المقر الرئيسي الأحدث)، وحيفا، والناصرة. يعمل في هذه المراكز آلاف المهندسين والمطورين. ينصب تركيزهم الأساسي على المنتجات الحساسة والجوهرية لمايكروسوفت، مثل:

تقنيات الأمن السيبراني(Cybersecurity) وحماية السحابة وتطوير منصةMicrosoft Sentinel

أنظمة الذكاء الاصطناعي(AI) وتحليل البيانات الضخمة(Big Data)

تقنيات حماية الخصوصية وحلول الحوسبة السحابيةAzure

الرئيس التنفيذي السابق للشركة, ستيف بالمر, زار الكيان اكثر من مرة. في زيارته عام1998, وصفا الكيان بأنه"قوة اتصالات"واشاد بـ"الحماس التكنولوجي"فيه. واما عام2012 فقال إن "مايكروسوفت توظف في الكيان اكثر من اي مكان آخر بالنسبة لعدد السكان", كما التقى نتنياهو"واكدالتزام مايكروسوفت بالاستثمار في الكيان" واعتبر"ان البيئة هنا تحفز الابتكار".

2.الاستحواذات والاستثمارات(Acquisitions & Investments)

منذ عام1991، استحوذت مايكروسوفت على عشرات الشركات الناشئة والتقنية الصهيونية لدمج تكنولوجياتها في أنظمة التشغيل(Windows) والخدمات السحابية(Azure)، وخاصة في مجال الأمن السيبراني.

وفيما يلي قائمة بما قامت به مايكروسوفت من عمليات الاستحواذ على شركات صهيونية ناشئة، خاصة في مجال الأمن السيبراني، والتي غالباً ما أسسها ضباط سابقون في وحدات استخباراتية صهيونية مثل الوحدة8200 :

السنة الشركة المستهدفة مجال التخصص

1996 Peach Networks تطوير تقنيات التلفزيون التفاعلي الرقمي.

2006 Whale Communications حلول الأمن السيبراني وشبكات الـVPN والأمن السحابي.

2006 Gteko المتخصصة في برمجيات الشبكات والدعم الرقمي(مقابل110 ملايين دولار)

2009 3DV Systems تقنيات كاميرات استشعار الحركة ثلاثية الأبعاد(ساهمت في تطويرKinect).

2014 Aorato حلول الأمن السيبراني وتشخيص التهديدات في البنى التحتية للمؤسسات(نحو200 مليون دولار)

2015 Equivio تحليلات النصوص والبيانات الضخمة(دمجت في خدماتOffice 365)

2015 Secure Islands حماية البيانات وتشفير الملفات الحساسة والأنظمة السيبرانية.

2015 Adallom أمن وحماية المنصات السحابية(بلغت قيمة الصفقة نحو320 مليون دولار)

2015 Aorata في مجال الأمن السيبراني.

2017 Hexadite أتمتة الاستجابة للهجمات السيبرانية باستخدام الذكاء الاصطناعي.

2020 CyberX أمن تقنيات إنترنت الأشياء(IoT) والأنظمة الصناعية(أكثر من150 مليون دولار)

2021 Peer 5 تحسين شبكات بث الفيديو للمؤسسات(Microsoft Teams)

2022 Oribi المتخصصة في تحليلات الويب

هذا بالإضافة إلى ذراع الاستثمار للشركة(M12) الذي يمول باستمرار عشرات الشركات الصهيونية الناشئة في مراحلها المبكرة, والتي منها:

Illusive Networks (امن سيبراني)

CloudEndure (حوسبة سحابية)

Syqe Medical (تكنولوجيا طبية)

3. التعاون مع الجامعات والمؤسسات الأكاديمية

تمتلك مايكروسوفت قنوات تعاون أكاديمي وثيقة داخل الكيان:

- معهد التخنيون(Technion): تعاون بحثي مستمر وتمويل للمختبرات، وخاصة في علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي، إلى جانب"مركز مايكروسوفت للتجارة الإلكترونية" داخل المعهد.

- جامعة تل أبيب والجامعة العبرية: تقديم منح دراسية، تمويل أبحاث ما بعد الدكتوراه، ورعاية مشاريع مشتركة في مجالات التعلم الآلي والأمن السيبراني وتقديم دورات تدريبية للطلاب المتميزين، واستقطابهم للعمل في الشركة.

4- العقود الحكومية والاستخدامات العسكرية عقود وزارة الدفاع والجيش الصهيوني

هذا هو الجانب الأكثر إثارة للجدل في العلاقة، حيث توثق التقارير دوراً كبيراً لمايكروسوفت في دعم البنية التحتية العسكرية والأمنية الصهيونية، خاصة منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر2023 .

-تم توقيع عقد بقيمة133 مليون دولار لمدة ثلاث سنوات بين مايكروسوفت ووزارة الدفاع الصهيونية في عام2021 .

-تزود مايكروسوفت الجيش الصهيوني بـ"منتجات برمجية غير محدودة" تشمل أدوات التطوير، والأنظمة المكتبية، وأدوات أمن المعلومات.

-الخدمات الاستشارية والدعم الهندسي: كشفت وثائق وتقارير استقصائية(مثل تقرير صحيفةThe Guardian) أن وزارة الدفاع الصهيونية تعاقدت مع مايكروسوفت لشراء آلاف الساعات من الدعم الهندسي والخدمات الاستشارية المباشرة لمنصاتAzure السحابية التابعة للوزارة. وبين أكتوبر2023 ويونيو2024، أنفق الجيش الصهيوني 10 ملايين دولار لشراء 19,000 ساعة من الدعم الهندسي من مايكروسوفت. والخدمات السحابية(Azure) وخدمات الذكاء الاصطناعي التي تقدمها مايكروسوفت للجيش الصهيوني تُستخدم لتحليل كميات هائلة من بيانات المراقبة(مكالمات، رسائل، لقطات طائرات مسيرة) وترجمتها ومعالجتها. وقد وُصفَت هذه الخدمات من قبل ضابط صهيوني كبير بأنها"سلاح بكل معنى الكلمة" . وقد ارتفع اعتماد الجيش الصهيوني على خدمات مايكروسوفت السحابية بشكل هائل، حيث زاد بنسبة200 ضعف في الأشهر التي تلت السابع من أكتوبر. وبحلول يوليو2024، تجاوزت البيانات العسكرية الصهيونية المخزنة على خوادم مايكروسوفت حاجز13.6 بيتابايت.

كما ان الجيش الصهيوني مُدرج كعميل من الدرجة الأولى(S500) لدى مايكروسوفت(داخلياً- بشكل غير معلن).

- في مجال التدريب، هناك تعاون موثق بينIsrael Aerospace Industries ومايكروسوفت على منصةTAME RANGE للتدريب السيبراني عبرAzure.

-كما أطلقت مايكروسوفت رسمياً منطقة مراكز بيانات سحابية محليّة تابعة لـAzure في الكيان لتقديم خدمات تخزين ومعالجة البيانات محلياً. والهدف: يتيح هذا المشروع للمؤسسات الحكومية والأمنية الصهيونية حفظ ومعالجة بياناتها الحساسة داخل حدود الدولة جغرافياً، مما يلبي معايير السيادة الرقمية الصارمة التي تفرضها القوانين الصهيونية على قطاعات الدفاع والأمن.

- دعم جهاز الشرطة والسجون: تعتمد الشرطة الصهيونية على سحابةMicrosoft Azure لاستضافة وإدارة قواعد بياناتها وأنظمتها العملياتية الحساسة والاستخباراتية لتسريع عمليات البحث عن البيانات والتحليل الجنائي الرقمي.

- الوحدة8200: خلال عامي2025 و2026، تصاعدت ضغوط داخلية وخارجية وتقارير حقوقية واستقصائية حول شبهات استخدام بعض الأجهزة الأمنية(مثل وحدة التجسس8200) لخوادم وسحابةAzure لإنشاء أو دعم أنظمة مراقبة وتحليل شاملة للبيانات والاتصالات. مايكروسوفت نفسها أقرت أن لديها اشتراكاتAzure مخصصة مرتبطة بالوحدة8200، وأنها وفرت خدمات أمن بيانات لها. واكدت تقارير متعددة أن مايكروسوفت بدأت التعاون مع الوحدة8200 إثر اجتماع2021 بين ساتيا ناديلا, رئيس الشركة التنفيذي, وقائد الوحدة يوسي سريئيل، وأن مهندسي مايكروسوفت طوروا طبقات حماية خاصة للخوادم التي ستستخدمها8200.

- هناك تقارير ذكرت ان مايكروسوفت توظف أكثر من1000 جندي وضابط صهيوني سابق في مكاتبها، بما في ذلك أكثر من300 من عملاء الاستخبارات السابقين، مما يخلق"خط أنابيب" غير رسمي لتجنيد الخبرات الأمنية من الجيش مباشرة إلى الشركة.

وامام سيل من الاتهامات والشبهات والانتقادات, اضطرت مايكروسوفت في مايو2025 الى الاعتراف بأنها باعت للجيش الصهيوني ووزارة الدفاع خدماتAzure وAI وترجمة آلية وتخزين سحابي، وأنها ساعدت في جهود تحديد مواقع الرهائن وحماية الفضاء السيبراني الصهيوني. ولكنها نفت علمها باستخدام خدماتها في انتهاكات لإلحاق الضرر بالمدنيين في غزة,واضافت"لم ننشئ أو نوفر تطبيقات مراقبة أو قتالية للجيش الصهيوني".

*****

أثارت هذه العلاقة انتقادات واسعة واتهامات لمايكروسوفت بالتواطؤ في انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم حرب محتملة. وقد حذرها خبراء قانونيون من أنها قد تواجه مسؤولية مدنية وجنائية بتهمة"التواطؤ في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية" إذا استمرت في تقديم خدماتها للجيش الصهيوني.

وفي حادثة شهيرة عام2025 شهدت مايكروسوفت احتجاجات من موظفيها، وخصوصاً الشابة المغربية التي كانت تعمل مهندسة برمجيات في الشركة وصرخت امام الكاميرات, وبحضور بيل غيتس و ستيف بالمر, في وجه رئيس وحدة تطوير الذكاء الاصطناعي, مصطفى سليمان, متهمة اياه بالتواطؤ مع الجيش الصهيوني في حرب الابادة في غزة( وتم فصلها من العمل).

وفي اجتماع المساهمين السنوي لمايكروسوفت2025 , فشل اقتراح للمساهمين يطالب الشركة بتحسين العناية الواجبة بحقوق الإنسان وتحديداً لمنع إساءة استخدام العملاء لمنتجاتAI والسحابة بطرق تنتهك حقوق الإنسان أو القانون الإنساني الدولي، لكنه حصل على دعم26% من المساهمين، وهي نسبة عالية ومهمة.

*****

ونختم مقالنا بالاشارة الى مؤسس الشركة ومالكها الرئيسي

بيل غيتس: أكبر عملية غسيل سمعة في التاريخ

لم يكن بيل غيتس في التسعينيات مجرد رجل أعمال ناجح، بل كان رمزاً حياً للجشع الرأسمالي المتوحش. مايكروسوفت كانت تواجه اتهامات خطيرة بالاحتكار وسحق المنافسين واستغلال المستخدمين، ووصل الأمر إلى محاكمات فدرالية في أمريكا وتحقيقات رسمية في الاتحاد الأوروبي كادت أن تفكك الشركة.

كان غيتس هو الشرير الأول في عيون العالم، وجه الاحتكار القبيح.

وبدهاء لافت، لم يغير غيتس سياساته أو أساليب شركته العدوانية، بل غير القناع. أسس مؤسسة بيل وميليندا غيتس، وبدأت ماكينة العلاقات العامة الضخمة تضخ صورة جديدة: "المتبرع الكبير"،"فاعل الخير"،"منقذ الفقراء".

في لحظة، تشتت الانتباه. تحول الحديث من الاحتكار والإثراء الفاحش إلى اللقاحات والمدارس. لم يكن عملاً خيرياً، بل كان استثماراً استراتيجياً في السمعة، حول أكثر رجل مكروه في عالم التكنولوجيا إلى قديس، دون أن يدفع ثمن جرائمه الاقتصادية.