رسالة إلى من يهاجمون الأحزاب اليسارية من الخارج
حمدي حسين| عضو الحزب الشيوعي المصري
كثيرًا ما نرى على فيسبوك منشورات يهاجم فيها بعض المدعين "أحزاب اليسار" (ناصرية وماركسية)، ويقولون إن تواجد 99% من الكوادر خارج هذه الأحزاب "يكشف أزمة شرعية"، ويسألون: كيف تعبر هذه الأحزاب عنا ونحن لسنا فيها؟
هذا الكلام يبدو براقًا للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة يعكس فهمًا مغلوطًا لطبيعة العمل السياسي الماركسي والناصري. بل الأدهى: أن هؤلاء أنفسهم، ببقائهم خارج التنظيم، هم أحد الأسباب الرئيسية لضعف الأحزاب التي ينتقدونها. اسمحوا لي أن أوضح.
أولاً: ماذا قال ماركس ولينين عن التنظيم الحزبي؟
يقول الفيلسوف الألماني كارل ماركس: "الوعي ليس هو الذي يحدد الحياة، بل الحياة هي التي تحدد الوعي". لكن السؤال: كيف نغير "الحياة" إن لم ننظم أنفسنا؟
هنا يأتي دور فلاديمير لينين في كتيبه الخالد "ماذا تفعل؟" (1902). لينين لم يترك مجالاً للتأويل: قال إن العمال والفلاحين وحدهم، بدون تنظيم، لن يصلوا إلا إلى "وعي نقابي" ضيق (أي يحسنون شروط عملهم فقط). أما الوعي الثوري الكامل، فيحتاج إلى حزب طليعي من المناضلين المنظمين.
بل قال لينين حرفيًا: "أعطونا منظمة من الثوريين، وسنقلب روسيا". وفعلاً، قلبوها. فمنذ متى والماركسي الحقيقي يعمل بمفرده خارج الحزب؟ هذا يشبه جندياً يحارب بدون جيش. الجندي الشجاع بلا جيش مجرد ثائر فوضوي، وليس ثورياً.
ثانيًا: ماذا قال عبد الناصر عن التنظيم؟
أما الناصرية فقصة أخرى. حين قامت ثورة 23 يوليو 1952، لم تبقَ بدون تنظيم. في عام 1962، أسس جمال عبد الناصر "الاتحاد الاشتراكي العربي" ليكون الإطار السياسي الوحيد للثورة المصرية.
لم يكن مجرد "حزب ورقي"، بل كان أداة لتمثيل الكادحين (50% من المقاعد للعمال والفلاحين)، وتنفيذ التأميم وإصلاح الأراضي. ناصر نفسه أكد أن "لن نعطي الفرصة للفرقة مرة أخرى". بمعنى: العمل الجماعي المنظم هو جوهر الناصرية، وليس الاستكانة على الأرياف وكتابة بوستات ساخطة.
فإذا كان الاتحاد الاشتراكي أداة التغيير في الستينيات، فكيف يظن أحد أنه ناصري حقيقي وهو يرفض أي تنظيم اليوم؟
ثالثًا: الرد المباشر على سؤال "الشرعية" و"الجدية"
· هل تواجد الكوادر خارج الأحزاب يطرح سؤال شرعية هذه الأحزاب؟ كلا. بالعكس، تواجد الماركسي خارج الحزب هو الذي يطرح سؤال شرعية انتمائه الفكري. لينين يصف ذلك بأنه شكل من "الفوضوية البرجوازية". وأنت أيها المدعي، إن كنت ماركسياً فلماذا لا تنظم نفسك؟ إن كنت ناصرياً فلماذا تخون وصية ناصر في العمل المؤسسي؟
· هل الأحزاب الحالية غير جادة؟ ربما. لكن هل ستفيدها بمغادرتها او خارجها ؟ هل يحل مشكلة ضعف الحزب أن يظل القوي خارج الحزب؟ هذا مثل شخص يشتكي من برودة الغرفة ويخرج منها بدلاً من أن يشعل المدفأة. ضعف الأحزاب سببه هروب "النخب" منها، وليس العكس.
اذا أتسائل: من أنتم أيها المنتقدون حقًا؟
بعد هذا العرض، أجدني مضطرًا لطرح سؤال جريء: ما مشروعكم الحقيقي؟
· إما أنكم عدميون فوضويون تريدون هدم كل شيء بلا بديل. وهذا يتناقض مع أي فكر ثوري.
· أو أنكم تحملون مشروعًا يمينيًا خفيًا يريد تفكيك التنظيمات اليسارية الشعبوية، لأنها تمثل تهديدًا للنظام الرأسمالي أو الاستبدادي.
· أو أنكم ببساطة لستم ماركسيين ولا ناصريين، بل متفرجون يظنون أن السياسة مجرد تعليقات على فيسبوك.
أيها الأصدقاء، إذا كنتم تريدون التغيير، لا تبقوا خارج الأحزاب وتهاجموها. ادخلوا فيها، جددوها من الداخل، قاوموا جمودها، لكن لا تبرروا انسحابكم بنظريات ملفقة. العودة إلى التنظيم ليست خيارًا، بل شرط أساسي لصدق النضال.
فكما قال لينين: "بدون نظرية ثورية، لا حركة ثورية. وبدون تنظيم ثوري، لا نظرية تُطبق."
و من يقرأ تاريخ ناصر جيدًا يعرف أن الكلمات دون مؤسسات لا تصنع تاريخًا.
فاختر لنفسك أين تريد أن تكون: في سجل الإنجاز أم في سجل الانسحاب؟