قطاع غزة في مواجهة العدوان الصهيوني وممثل ترامب المنحاز "ميلادينوف" ومقاولي الباطن من الوسطاء والضامنين

قطاع غزة في مواجهة العدوان الصهيوني وممثل ترامب المنحاز "ميلادينوف" ومقاولي الباطن من الوسطاء والضامنين
الكاتب و الباحث | عليان عليان

منذ قرار وقف إطلاق النار في (9) أكتوبر 2025، لم يتوقف العدو الصهيوني عن عمليات القصف لمحافظات قطاع غزة، والتي يباشرها بشكل يومي عبر القصف المدفعي والصاروخي والقصف الجوي بالطائرات الحربية والمسيرات، ما أدى إلى ارتقاء حوالي 1000 شهيد وإصابة ما يزيد على 5000 مواطن فلسطيني، من بينهم العديد من قادة المقاومة العسكرية ورجال الشرطة الفلسطينية، حيث بلغ عدد عمليات خرق وقف إطلاق النار حتى ساعة كتابة هذا المقال لليوم الـ(245) على التوالي 3269 خرقاً وفقاً لإحصائية مكتب الإعلام الحكومي في قطاع غزة، وباتت حصيلة حرب الإبادة الصهيو-أمريكية على قطاع غزة ما يزيد على (73) ألف شهيد وما يزيد على 173 ألف جريح فلسطيني، معظمهم من الأطفال والنساء، فضلاً عن دمار هائل. صمت الوسطاء على ضم المنطقة الصفراء والبرتقالية واللافت للنظر أن الإدارة الأمريكية ومعها الوسطاء لم يعيروا أدنى اهتمام لهذه الخروقات ولهذا الدم الذي يُراق في قطاع غزة، وبات الوسطاء والضامنون يتماهَون مع طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن وقف إطلاق النار تم بنجاح، ولم يعيروا أدنى اهتمام للميليشيات العميلة التي تعبث بأمن القطاع خدمة لمخططات الاحتلال. هذا كله أولاً، وثانياً أن الوسطاء والضامنين صمتوا صمت القبور عندما أعلن ترامب بدء الدخول في المرحلة الثانية في منتصف يناير/كانون الثاني الماضي، قبل أن ينفذ الاحتلال استحقاقات والتزامات المرحلة الأولى، وثالثاً أن الإدارة الإمبريالية الأمريكية ومعها الوسطاء والضامنون من دول النظام العربي والإسلامي لم ينبسوا ببنت شفة حول تحول المنطقة الصفراء التي تشكل (53%) من مساحة القطاع إلى منطقة احتلال دائمة – وفق وصف كل من وزير الحرب الصهيوني ورئيس أركانه – وغضّوا النظر عن إضافة (7%) من مساحة القطاع تحت مسمى "البرتقالية" لتصبح المناطق الخاضعة لسيطرة الاحتلال 60% من مساحة القطاع. كما أن هذه الإدارة ومعها الوسطاء والضامنون صمتوا على تصريح نتنياهو بشأن ضم (10%) أخرى من مساحة القطاع، لتصبح مساحة الأرض الخاضعة لسيطرة الاحتلال (70%)، علماً أن خطة ترامب المزعومة تنص على نشر "قوة الاستقرار الدولية" في المرحلة الثانية، بقيادة أمريكية (الجنرال جاسبر جيفرز) وبمشاركة عربية وأوروبية للحفاظ على الأمن، لتحل محل قوات الاحتلال في المنطقة الصفراء، ولتفصل بين القطاع والكيان الصهيوني. لكن الوقائع على الأرض تقول إن المرحلة الثانية لم ولن تبدأ، ما يكشف أولاً عن حقيقة أن الإدارة الأمريكية لم تتراجع عن خطتها الأولية لتهجير أبناء قطاع غزة وفق منظور ترامب الذي يجعل غزة "ريفيرا الشرق الأوسط"، وما يكشف ثانياً أن هذا التمدد الصهيوني الاحتلالي في القطاع يتكامل مع خطة ترامب الأصلية بشأن القطاع، ويصب في خانة التطهير العرقي ومخطط تهجير الفلسطينيين من القطاع، وهو المخطط الذي سبق أن أعلنت عنه حكومة العدو إبان العدوان الصهيوني على القطاع في إطار خطة "عربات جدعون". اللافت للنظر أن نيكولاي ميلادينوف، الذي كان مبعوثاً للأمين العام للأمم المتحدة للسلام في "الشرق الأوسط"، أصبح بعد تعيينه رئيساً تنفيذياً لمجلس السلام المزعوم، بوقاً لرئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو، يزعق صباح مساء بأولوية نزع سلاح حماس وفصائل المقاومة، وسط صمت الوسطاء والضامنين، متجاهلاً حقيقة أن الأولوية تكمن في أن ينفذ العدو الصهيوني ما هو مطلوب منه في المرحلة الأولى من دخول 600 شاحنة يومياً لنقل المواد الغذائية والطبية، وتزويد القطاع بعشرات الآلاف من الخيام والكرافانات لتقيهم حر الصيف وبرد الشتاء، وتزويد القطاع بالمعدات المطلوبة لإزالة الأنقاض والبحث عن رفات عشرات الآلاف من الشهداء. فقد كشف التقرير الصادر عن مكتب الإعلام الحكومي في قطاع غزة تعمد الاحتلال خنق القطاع عبر تقليص دخول الشاحنات الإنسانية، حيث دخلت 52,740 شاحنة فقط من أصل 147,000 شاحنة كان يُفترض دخولها، لتستقر نسبة الالتزام عند 36% فقط. رد فصائل المقاومة على خطة ميلادينوف "خارطة الطريق" لقد طرح المسؤول التنفيذي لمجلس السلام المزعوم في 21 مايو/أيار الماضي خطة من (15) بنداً كخارطة طريق لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترامب، تهدف إلى تنفيذ الخطة التي اقترحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن قطاع غزة. وتحدد "الخريطة" آليات تنفيذ ملفات مرتبطة بمستقبل القطاع، بينها إعادة الإعمار ونزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي وعمل قوة الاستقرار الدولية، إلى جانب إعادة بناء جهاز الشرطة، وضرورة تنفيذ التدابير الموعود بها في بداية وقف إطلاق النار، بما في ذلك المساعدات الإنسانية والوقود والمعابر والمأوى، والتدابير الواردة في تفاهمات شرم الشيخ، قبل الانتقال إلى المرحلة التالية. لكنها في التطبيق أكدت على أولوية نزع سلاح المقاومة دون أن تأتي على ذكر انسحاب قوات الاحتلال من المنطقة الصفراء في المرحلة الثانية. وقد أبلغت حركة حماس، بالتوافق مع فصائل المقاومة، الوسطاء المصريين والقطريين والأتراك والممثل الأعلى لمجلس السلام المزعوم في قطاع غزة نيكولاي ميلادينوف، في الثالث عشر من شهر حزيران الجاري، في رد مكتوب، موقفها من البند الثامن في خارطة الطريق بما يلي: 1- أن فصائل المقاومة التي هزمت الاحتلال شر هزيمة في كافة المعارك وفي مختلف المراحل على مدى عامين، لن تسلم سلاحها للعدو ولا لأي طرف، بل ستقوم بتخزينه ليكون في إطار الدولة الفلسطينية المستقلة على التراب الوطني الفلسطيني حال قيامها، وأنها لن تصادر حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال لاحقاً. 2- التأكيد على شرط انسحاب قوات الاحتلال الكامل من القطاع. 3- التأكيد على شرط تنفيذ العدو كافة استحقاقات المرحلة الأولى (البروتوكول الإنساني). 4- وقف جميع أشكال العدوان الصهيوني على الفلسطينيين في القطاع. 5- ضرورة الالتزام الكامل بما ورد في الخريطة بشأن دخول اللجنة الإدارية والانسحاب الصهيوني الكامل من القطاع وإعادة الإعمار، وصولاً إلى تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني في إقامة دولته ونيل حقه في تقرير المصير. لقد جاء هذا الرد من الفصائل الفلسطينية بعد عقد العديد من الاجتماعات مع الوسطاء من مصر وقطر وتركيا في العاصمة المصرية القاهرة، والتي بدأت في 6 حزيران/يونيو الجاري، وأثمرت عن بلورة الموقف الوطني الموحد. ميلادينوف يرفض رد الفصائل الفلسطينية لكن ميلادينوف رفض صياغة الفصائل الخاصة بالبند الثامن، رغم قبوله استبعاد مصطلح "البنية التحتية للمقاومة"، لكنه قدّم صياغة أكثر خطورةً وتفصيلاً لحصر المقومات والوسائل التي تستخدمها المقاومة، حيث يعد هذا البند عقدة الورقة المطروحة في القاهرة، إذ يتناول ملف سلاح المقاومة في غزة وصلته بانتشار قوة الاستقرار ودخول اللجنة الوطنية لإدارة القطاع والانسحاب الإسرائيلي المتدرج. فالصياغة الجديدة لم تكتفِ بالنص على نزع سلاح المقاومة، بل تجاوزت ذلك إلى إدراج الأنفاق، وسيارات الدفع الرباعي، والمخازن، والمواقع المفتوحة التي يمكن أن يتجمع فيها عناصر المقاومة أو تُستخدم مقرات للتدريب، إضافة إلى الأسلحة الفردية، والملابس العسكرية أو الشبيهة بملابس التشكيلات العسكرية، والوحدات الصحية أو المستشفيات الميدانية. ولم يكتفِ ميلادينوف بطرح مسألة نزع سلاح المقاومة وكل ما يرتبط بها من بنية تحتية، بل ذهب إلى ما هو أكثر من ذلك بتدخله في المهام المحددة للجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة (لجنة التكنوقراط) التي ستحل محل حكومة حماس في القطاع، وذلك بإثارته أزمة أخرى تتعلق بطبيعة عمل اللجنة الوطنية لإدارة غزة، إذ نصت تعديلاته على أن اللجنة تباشر مسؤولياتها فقط منذ اليوم الأول لتسلم مهامها، ما يعني أنها لن تتحمل الالتزامات السابقة للإدارة القائمة في القطاع. وهذا التصور، وفق فصائل المقاومة، غير واقعي بالمطلق، لأنه يعني عدم مسؤولية اللجنة أمام أصحاب الحقوق والمتعاقدين مع الإدارة السابقة، سواء ما يتعلق بالتزامات الموظفين أو موردي الخدمات والاحتياجات الطبية والأدوية، أو غيرها من مقومات الحياة اليومية في القطاع، إضافة إلى الالتزامات المالية بما في ذلك القروض وأي مستحقات أخرى. في مواجهة ما تقدم.. ما العمل؟ بعد عرض كل ما تقدم من استمرار العدوان على قطاع غزة، وصمت الوسطاء والضامنين على تمدد الاحتلال في القطاع، وتماهيهم مع طرح ميلادينوف بأولوية نزع سلاح المقاومة، يتوجب على فصائل المقاومة البحث عن مخرج لهذه الأزمة الوجودية في القطاع، وفي مواجهة خطط التمدد الاحتلالي والتهجير. لا شك أن فصائل المقاومة في مأزق في ضوء الجغرافيا السياسية المحدقة بالقطاع، وفي ضوء استثمار العدو للحرب مع إيران بزيادة وتيرة الاعتداءات على قطاع غزة، لكن ذلك لا يمنع من وضع تصورات قابلة للدرس والتمحيص، على نحو: 1- أن تعلي الفصائل الصوت وتطالب الوسطاء بتحديد موقفهم من خطة ميلادينوف وتعديلاته التي تركز على أولوية نزع سلاح المقاومة قبل أن ينفذ العدو التزامات المرحلة الأولى، وأن تحدد موقفها من التعديلات المتعلقة بمهمة اللجنة الوطنية لإدارة القطاع. 2- أن تظل على موقفها بعدم تسليم سلاحها لأي طرف، وأن تؤكد على استمرار حيازته في إطار عملية التخزين. 3- أن تهيئ الفصائل نفسها للرد العسكري على الاعتداءات الصهيونية المتكررة، وأن تباشر في مرحلة قريبة فعلها المقاوم لتحرير المنطقة الصفراء، لا سيما وأن ذلك سيدخل قطاع غزة في دائرة مفاوضات جنيف. 4- أن تستثمر مسألة إعادة الاعتبار لوحدة الساحات، الناجمة عن صمود إيران، وأن لا تضع كل البيض في سلة الوسطاء والضامنين الذين باتوا، في معظمهم، مقاولين من الباطن لمصلحة الإدارة الأمريكية. 5- أن تتواصل مع قوى المجتمع المدني في الدول الغربية لإعادة الاعتبار لحراك الشارع المتضامن مع قطاع غزة وفلسطين. وأخيراً، يتوجب على فصائل المقاومة في الضفة الغربية أن تتحرك لإسناد قطاع غزة في مواجهة محنته، وأن تكسر التنسيق الأمني مع الاحتلال، وأن تعمل على إشعال انتفاضة فلسطينية، لا سيما وأن عوامل التأزيم لانطلاقتها متوفرة في ضوء عمليات الضم والاستيطان المتراكمة، وعدوان المستوطنين اليومي المنفلت من عقاله على البلدات الفلسطينية، والقمع المستشري وغير المسبوق في الضفة الغربية.