ميثاق مجلس لسلام الأمريكي : تكريس للهيمنة الإمبريالية الأمريكية على العالم
الباحث عليان عليان
أعلن الرئيس الأمريكي يوم أمس، من منتدى دافوس عن تشكيل مجلس السلام ، بتوقيع 21 دولة معظمها من دول العالم الثالث على ميثاق المجلس ، أو من خارج الاتحاد الأوروبي الذي ترى العديد من دوله الرئيسة أن الهدف من إطلاق هذا المجلس أن يكون بديلاً للأمم المتحدة.
وقد تبارى كل من الرئيس ترامب، ووزير خارجيته مارك روبيو، والمستشارين ستيف ويتكوف وجاريد كاشنر ، ورئيس الهيئة التنفيذية -المندوب السامي في قطاع غزة- "نيكولاي ميلادانوف" في الحديث عن مزايا المجلس حيال السلام والاستقرار في المنطقة ، وحيال إعادة إعمار غزة وفتح آفاق أمام مشاريع التنمية فيها وحيال خلق فرص سلام فلسطيني- إسرائيلي. في حين راح رئيس لجنة التكنوقراط الدكتور علي شعث - الذي سيتولى إدارة القطاع بإشراف المندوب السامي ميلادانوف - يبشر بأن المعبر سيفتح بالاتجاهين قريباً ، ما يتيح له ولأعضاء حكومته الدخول للقطاع ومباشرة العمل.
ملاحظات على هامش الاحتفالية
ولفت انتباه المراقبين في احتفالية المجلس( 4) مسائل وهي :
- أن ويتكوف ظل يربط بين إنجاز بنود المرحلة الثانية وبين الحصول على جثة آخر إسرائيلي.
2- أن الاحتفالية والقائمين عليها لم يأتوا على ذكر انسحاب قوات الاحتلال من المنطقة الصفراء في قطاع غزة ، التي تشكل مساحتها ما يزيد عن (53) في المائة، ولم يأتوا على ذكر قوة الاستقرار الدولية .
3- أن الاحتفالية والقائمين عليها لم يأتوا على ذكر الدولة الفلسطينية.
4- أن الرئيس الأمريكي اعتبر أن خطته للسلام نجحت، لأنها تمكنت من إعادة كافة الأسرى الإسرائيليين ، متجاهلاً حقيقة أن حكومة العدو واصلت منذ قرار وقف إطلاق النار بتاريخ 12 أكتوبر 2025 ،حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، ما أدى إلى استشهاد ما يزيد عن 483 مواطناً فلسطينياً وإصابة 1294 في المرحلة الأولى من الخطة ، وأنها لم تلتزم ما هو مطلوب منها على صعيد إدخال المواد الغاذية والطبية ، وإدخال عشرات الآلاف من الخيام والكرافانات ، ولم تلتزم بفتح المعابر وفق ما هو وراد في المرحلة الأولى .
الهيكل التنظيمي للمجلس
قبل أن نبدأ بقراءة نصوص وثيقة مجلس السلام ، ننوه بأن هرمية هذا المجلس تتكون من ما يلي :
1- رئيس المجلس : الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
2- كبار المستشارين : ستيف ويتكوف ، جاريد كاشنر- مهندس التطبيع الإبراهيمي- ، توني بلير- رئيس وزراء بريطانيا الأسبق ومجرم الحرب في العراق.
3-ممثلو الدول الأعضاء في المجلس التي تساق لعضوية المجلس طواعيةً أو بالإكراه وهذه العضوية مشروطة بدفع رسم الانضمام للمجلس بما قيمته مليار دولار بالحد الأدنى أو أقل بالنسبة للدول محدودة الإمكانات.
قراءة أولية في بنود ميثاق مجلس السلام
من يقرأ بدقة بنود ميثاق مجلس السلام المزعوم يسجل بشأنه الملاحظات التالية:
- أن الميثاق لا يأت على ذكر قطاع غزة والمأساة التي يعيشها ، ولا على ذكر الإبادة الجماعية والبيئية التي تعرض ويتعرض لها القطاع ، ويعتبره مفردة صغيرة في إطار السلام المزعوم من خلال النص التالي : " مجلس السلام منظمة دولية تسعى إلى تعزيز الاستقرار واستعادة الحكم الرشيد والقانوني، وضمان تحقيق سلام دائم في المناطق المتأثرة أو المهددة بالنزاع" .
في ضوء هذا النص فإن ميثاق المجلس يحصرموضوع غزة التي أحدثت انقلابا كونياً على صعيد الرأي العالمي وأنموذجاً غير مسبوق في المقاومة ، ونمطاً غير مسبوق من الإبادة الجماعية ، يحصر موضوع فلسطين وقطاع غزة في عنوان فضفاض "تحقيق السلام والاستقرار" ، وفي مسألة الحكم الرشيد ، الذي يجب أن تضطلع به لجنة التكنوقراط حتى تبلغ سن الرشد ، دون أن يحدد طبيعة السلام الذي يريده المجلس وإن كانت بقية نصوص وثيقة المجلس تشي بأنه سلام الإذعان للمستعمر الصهيو أمريكي.
2- أن نصوص الميثاق تؤكد أن مجلس السلام هو مشروع منافس للأمم المتحدة يتطور تدريجياً ليصبح بديلاً لهيئة الأمم المتحدة ومؤسساتها ، التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية في إطار نظام عالمي ، يستند إلى ميثاق الأمم المتحدة وما ينطوي عليه من قوانين دولية ناظمة في مختلف المجالات. حيث يتم التركيز على هذا المجلس ليصبح لاحقاً بديلاً للأمم المتحدة وبديلاً للنظام العالمي السابق في إطار هيمنة قطبية أحادية على العالم.
3- أن نصوص الميثاق تتحدث بوضوح عن شرط الهيمنة الأمريكية – مطلق هيمنة – على العالم ، وأن بقية دول العالم تابعة للمركز الاستعماري الأمريكي، سواء كانت دول صناعية متقدمة أو من دول العالم الثالث ، وأن الفرق بين هذه الدول يكمن في مقدار المليارات التي ستدفع لمجلس السلام، وتسجل في حساب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أو الرئيس الذي يعينه بعده. - إن نصوص الميثاق أنهت إلى غير رجعة مفهوم الإمبريالية الجماعية بعد الحرب العالمية الثانية التي تقف على رأسها الإمبريالية الأمريكية التي تضطلع بالهيمنة على مقدرات الشعوب ، دون حرمان بقية الإمبرياليات الأوروبية والإمبريالية اليابانية من ما تبقى من كعكة النهب الأمريكية لكن في ضوء ميثاق مجلس السلام الجديد تصبح بقية الإمبرياليات مجرد تابع ذليل للإمبريالية الأمريكية مهمتها تنفيذ مشيئة الإمبريالية الأمريكية، وإلا فإنها ستتعرض للتهديد والتوبيخ وفرض العقوبات عليها عبر زيادة الرسوم الجمركية وغيرها كما يحصل الآن في تعامل الإدارة الأمريكية مع حليفتها على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي.
ولا نبالغ إذ نقول إن الإدارة الأمريكية تتعامل مع الدول الأوروبية وكأنها في مرحلة مشروع مارشال بعد الحرب العالمية الثانية ، رغم أن الميزان التجاري السلعي الراهن بين دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يميل بقوة لصالح الاتحاد حيث سجل فائضاً تجارياً أوروبياً كبيراً بلغ حوالي 198 مليار يورو (أو ما يعادل 235.9 مليار دولار عجز أمريكي في 2024) حيث تستورد أمريكا بضائع أوروبية تفوق صادراتها إليها، مما يمثل نقطة خلاف رئيسية تدفع واشنطن لتهديدات دائمة برفع الرسوم الجمركية على دول الاتحاد .
5- إن نصوص الميثاق نقلت دول العالم الثالث من حالة التبعية إلى حالة العبودية الكاملة دون إعطائها هامش لها من الاستقلالية الشكلية ، فمعظم قادة هذه الدول باتوا ينتظرون لفتة انتباه أو مديح من رأس الامبريالية العالمية دونالد ترامب.
6- إن مجلس السلام صيغة استعمارية غير مسبوقة، تجاوزت الإمبريالية المركنتلية في القرن السادس عشر وتجاوزت الامبرياليات السابقة للثورة الصناعية ، وتجاوزت الإمبريالية الجديدة بعد الثورة الصناعية " امبريالية الاحتكارات الرأسمالية – الإمبريالية الجديدة "التي أدت إلى اقتسام المستعمرات بين الدول الاستعمارية في نهاية القرن التاسع عشر ، ومطلع القرن العشرين ، وبات ترامب يمزج بين كل أشكال السيطرة الاستعمارية التي تضطلع بها الولايات المتحدة.
7- إن الرئيس الأمريكي هو صاحب القول الفصل في القرارات التي تتعلق بالدول التي ستقبل في المجلس أو التي يرفض قبولها. وله حق الفيتو على القرارات حتى لو اتخذت بالأغلبية أو بالإجماع ، ما يعني أن ترامب يعطي لنفسه السلطة المطلقة في تسيير دفة العالم على النحو الذي يريد.
نصوص ميثاق مجلس السلام
ما تقدم من ملاحظات، تكشفها بوضوح مسودة الميثاق الخاص بمجلس السلام المزعوم الذي تضمن البنود التالية:
- يتولى الرئيس ترامب أول رئاسة لهذا المجلس، كما سيكون له القرار فيمن تتم دعوتهم للانضمام إلى المجلس الذي تتخذ - وفق المسودة- قراراته بالأغلبية. بحيث يكون لكل دولة عضو صوت واحد إلا أن جميع القرارات تبقى خاضعة لموافقة الرئيس.
2- مدة عضوية كل دولة لا تتجاوز (3) سنوات من تاريخ دخول هذا الميثاق حيز التنفيذ وستكون قابلة للتجديد بقرار من الرئيس ترامب، ولا تسري مدة العضوية وهي (3) سنوات على الدول الأعضاء التي تساهم بأكثر من مليار دولار أميركي نقدا في مجلس السلام خلال السنة الأولى.
3- الرئيس ترامب مسؤول عن اعتماد الختم الرسمي للمجموعة وله السيطرة المطلقة على الأموال التي ستدفعها الدول الأعضاء في المجلس.
4- كما تنص مسودة الميثاق على أن المجلس سيعقد اجتماعات تصويتية مرة واحدة على الأقل سنويا، "وفي أي أوقات وأماكن إضافية يراها الرئيس مناسبة" وتخضع أجندة الاجتماعات لموافقة الرئيس.
5- كما سيعقد المجلس اجتماعات دورية غير تصويتية مع مجلسه التنفيذي على أن تُعقد هذه الاجتماعات بشكل ربع سنوي على الأقل.
وأخيراً فإن الرئيس ترامب له سلطة عزل أي عضو ما لم يتم الاعتراض على القرار من قبل ثلثي الدول الأعضاء ، ويحق للرئيس ترامب في جميع الأوقات تعيين خلف له في منصب الرئيس".
والسؤال هنا : هل يجرأ أي من حكام الدول المنضوية في المجلس القول (لا) للرئيس ترامب وهي التي تستجدي عطفه؟؟
تجدر الإشارة إلى أن الدول التي وقعت على الميثاق هي :
المجر - بيلاروسيا- المغرب- كوسوفو- الأرجنتين- باراغواي- أرمينيا- أذربيجان- كازاخستان- أوزبكستان - إندونيسيا- باكستان- فيتنام – (إسرائيل) - السعودية – مصر – قطر – الأردن -البحرين – الامارات وتركيا ، .... في حين وافقت كندا على الانضمام، لكنها لن ندفع أي رسوم لتصبح عضوا. ولم تلتزم أي دولة أخرى من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي بالانضمام إلى المجلس، وهي روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا، باستثناء الولايات المتحدة.