منير الصياد.. فارس بيروت الذي سكن القلب

منير الصياد.. فارس بيروت الذي سكن القلب
خالد البسيوني | كاتب عربي

كلما ذكر اسمه، حضرت إلى ذهني عين المريسة، وبيروت، والوطن العربي بأكمله. أتذكر دائما ذلك الرجل الذي ترك أثرا عميقا في وجدان كل من عرفه. كان لقائي الأول به عابرا وسريعا في مقر حزب الكرامة بالقاهرة، خلال فعالية لإحياء ذكرى رحيل جمال عبدالناصر. يومها لم أكن محظوظا بما يكفي لأتعرف إلى حقيقته أو أكتشف القيمة الكبيرة التي يمثلها. كانت معرفتي به محدودة، لا تتجاوز بعض الحكايات التي سمعتها عنه، لكنها كانت كافية لإثارة فضولي وجعلي متشوقا للجلوس معه والاستماع إليه. لقاء حقيقي مع القائد شاءت الأقدار أن تمنحني فرصة مختلفة. اصطحبني عمنا سيد الطوخي إلى شقة الأستاذ مجدي المعصراوي بشارع القصر العيني في القاهرة، وهناك كان القائد منير الصياد حاضرا. اخترت أن أجلس إلى جواره، ومنذ اللحظة الأولى أخذني إلى عالم آخر. راح يروي حكايات صادقة وعميقة عن بيروت والمقاومة والاجتياح الإسرائيلي، وعن سنوات المواجهة التي خاضها بالسلاح حينا، وبالسياسة حينا آخر، وبالصبر والإيمان في كل الأوقات. استمر اللقاء قرابة ثلاث ساعات، لم أتحدث خلالها إلا قليلا. كنت أشعر أنني أمام تجربة نادرة يجب أن أعيشها بكل تفاصيلها، وكأن شيئا بداخلي كان يخبرني أن مثل هذا اللقاء قد لا يتكرر كثيرا. في منزله المطل على بحر بيروت لاحقا، قادتني الظروف إلى بيروت، وتحديدا إلى شقته المطلة على بحرها في عين المريسة. هناك أدركت حجم الحظ الذي نلته. هذه المرة امتد اللقاء لنحو ست ساعات كاملة، بين الطعام والحديث والذكريات. تحدثنا عن الماضي طويلا، ثم انتقل الحديث إلى المستقبل. ورغم تقدمه في السن آنذاك، كان ينظر إلى الغد بعين القائد المؤمن بأمته. تحدث كثيرا عن مصر، باعتبارها عشقا حقيقيا يسكن قلبه. كان يحب مصر وشعبها بصورة عميقة، ويتابع تفاصيلها وأحلامها وتحدياتها باهتمام دائم. أمانة لا تزال في الصدر كان منير الصياد ناصريا حتى النخاع، مؤمنا بالمشروع القومي العربي، منحازا إلى الفقراء والبسطاء، ومدافعا عن حق الشعوب العربية في الحرية والكرامة. في تلك الأيام حملني أمانة ما زلت أحتفظ بها في صدري، وليس هذا أوان الحديث عنها. طلب مني الكثير، ومنحني أكثر مما طلب. علمني ووجهني وفتح أمامي آفاقا جديدة للفهم والرؤية. ولا يزال أملي أن أكون قادرا على الوفاء بما كان يتمناه ويرجوه. طوال أسبوعين تقريبا، أصبحت لقاءاتنا شبه يومية داخل منزله في بيروت. كنا نضحك أحيانا ونبكي أحيانا أخرى. كان يتحدث فأصغي إليه بكل تركيز، وأتحدث فيستمع باهتمام ومحبة. شاهد على مرحلة كاملة بعد ذلك، تشرفت بأن يكون أحد ضيوف فيلم وثائقي كنت أعمل عليه حول ثمانينيات الوطن العربي. يومها قال لي كلاما أعتز به كثيرا، إذ وصفني بأنني الشخص الوحيد الذي استطاع إقناعه بالحديث أمام الكاميرا عن تلك المرحلة المهمة من حياته وتجربته. كانت شهادته ثرية وصادقة، تماما كما كان في كل ما يقول ويفعل. وصال لم ينقطع منذ عودتي من لبنان، لم تنقطع بيننا الاتصالات. ظل أبو هيثم حاضرا بالنصيحة والسؤال والاهتمام، رغم ما كان يعانيه من ظروف صحية ومتاعب متزايدة. وفي كل محطة مهمة من حياتي، كنت ألجأ إليه مستشيرا ومستأنسا برأيه، فلم يتأخر يوما عن الدعم أو المساندة. كان أبو هيثم رمزا حقيقيا وفارسا من زمن نادر، جمع بين الصلابة الإنسانية والالتزام الوطني والإيمان العميق بقضايا أمته. رحل الجسد، وبقي الأثر والذكرى والمحبة. رحم الله القائد منير الصياد، وأسكنه واسع رحمته. سيظل حاضرا في ضمير الأمة، وفي ذاكرة الوطن، وفي قلوب كل من عرفوا قيمته الحقيقية. وداعا يا أبا هيثم... وإلى لقاء في ذاكرة لا تنسى