من سرق اسمها؟، فلسطين بين المذبح والغنيمة

من سرق اسمها؟، فلسطين بين المذبح والغنيمة

زَيد حمد

لا ترفعوا جرح فلسطين تميمةً على صدور معارككم العجفاء، فالمظلومية ليست خرقةً تمسحون بها غبار خلافاتكم في دهاليز الإنتخابات، ولا عباءةً ترتدونها في ليل الندوات كي تسرقوا من وهجها دفئا لا تملكونه. المظلومية ليست خزينةً تفتحونها كلما أفلست حججكم، ولا قناعا من ذهب تلبسونه على خشبة الانتخاب، فإذا هوى الستار نزعتموه مع الأقنعةِ.

مظلومية فلسطين ليست بكاءً على عتبات الضحايا، ولا أنينَ كمانٍ في محفل العزاء. هي سيفٌ معقودٌ على خاصرة التاريخ، ونارٌ لا تنام في رماد الخرائبِ. هي مليون نخلةٍ سقطت واقفةً، ومليون قمرٍ ذُبح على أسوار يافا ولم يمتْ. معمدةٌ بالدم من جيل إلى جيل، كثورات البراكين حين تلد من رحم الرمادِ. فبأي حق يتحدث باسمها المخاتلون، وأصحاب الأيدي المرتعشة، والمتأففون من رائحة البارود، الذين يقطفون من شجر المقاومة ورقةً ليزينوا بها مائدة الانتخاباتِ؟

التاريخ لا ينسى كيف يتحول المثقف إلى خنجر في خاصرة قضيته حين يبيعها بثمن مقعد. انظروا إلى كاتب تشيكي كان يرضع من ثدي المعسكر الأحمر، ينسج من آلام شعبه تحت نير السوفييت منديلا للبكاء، يرفعه شماعةً لمظلومية يجلد بها رفاق الأمس. كان يكتب للحزب نشيدا، فلما مالت الريح خلع معطفه الأحمر كما تخلع الأفعى جلدها، وامتطى طائرة المنفى إلى باريسَ. هناك، في الصالونات المخملية، علّق مظلومية شعبه على حبل الغسيل الغربي، يبيع الدمعة بترجمة، والأنين بجائزة، والجرح بمقعد وثير بين النخبِ. صار سوطا في يد الغرب يجلد به الحلم الذي كان يرتديه، وانقلب على الفكرة التي أطعمته حبره، لا لأن الفكرة خانت، بل لأنه هو من خان فكرة أن تكون القضايا أكبر من المقاعد.

والطعن الأدهى جاء من رحم القصيدة حين خانت دمها. حين وقف شاعر يتوج نفسه إلها على القضية، فسلخ الجرح الفلسطيني عن جسد أمته بمشرط "يا وحدنا"، وعلّقه كأيقونة مخصية في معبد العزلة. جعل من المظلومية صك غفران مسموماً، يمنح الفلسطيني حقا إلهيا أن يدوس الثوابت بحذائه، لمجرد أنه فلسطيني. كأن الهوية الفلسطينية بطاقة عبور فوق الأخلاق، وفوق الثوابت، وفوق الدمِ. ثم جاءت ريتا، الخنجر الناعم في ظهر الخندق. لم تكن قصيدة حب، كانت وثيقة استسلام موقعة بالحبر السري. جعل من فراش العدو سريرا للبطولة، ومن العبث بالمحرمات قصيدة، ومن لحم الجلاد خمرا يسكر به القارئ. ألمجرد أنك فلسطيني يحق لك أن تهتك ستر الثوابت، وأن تجعل من الخيانة العاطفية نيشان مقاومة؟ ألمجرد أنك شاعر فلسطيني صار نقدك كفرا، وصار حبرك قرآنا لا يأتيه الباطل؟ رفعوه تمثالا من ملح لا يُمس، فكل من اقترب منه بمعول النقد صرخوا في وجهه: اخرس، هذا شاعر القضية. فصار الشعر سوطا يجلد به وعي الأمة، وصارت القصيدة محكمة تفتيش تحرق كل من لم يسجد لريتا. هذا هو السلخ الثقافي: أن تقطع شرايين القدس عن دمشق والقاهرة وعمّان، وتتركها تصرخ "يا وحدنا" في صحراء النرجسية حتى تتحول إلى صنم. حين يصير الألم رخصة للانحلال، تصير المقاومة عهرا، ويصير الحق المطلق لفرد واحد مقصلةً لحق أمةٍ. حين يصير الشاعر نبيا معصوما لأن شهادة ميلاده من حيفا مثلاً!، تصير الأمة كلها قطيعا يساق إلى مذبح غروره.

ولم يكن وحده. ففي أرض أخرى، خرج روائي من رماد بلاده المحترقة يحمل في كفه حفنة من تراب المذابح، يطوف بها على موائد العواصم الباردة. علق المظلومية الوطنية شماعةً على جدار كل منبر، وابتز بها دمعة العجائز وصمت المتعبين. باع أنين الأمهات بمنحة في جامعة، وباع صرخة اليتامى بمقعد في أكاديمية، حتى صار هو السجان للذاكرة التي كان يبكيها. حول الوطن المذبوح إلى بطاقة دخول للصالونات، وحول دم الشهداء إلى جواز سفر دبلوماسي يختمه في سفارات المديحِ.

رأيتُهم في رابطة الكتاب الأردنيين ينزعون "الدم الفلسطيني" من محرابه، لا ليقربوه قربانا على مذبح الحرية، بل ليذبحوا به زميلا على نصب الاقتراعِ. هناك من يشهر الدم كأنه سوط من لهب في وجه المبدعين، يجلد به ظهورهم حتى ينحنوا لصنم المقعد، ويسوّق للجلد على أنه طقس ولاءٍ. أي ولاء هذا الذي يجعل من دم الشهيد حبرا لختم البيانات، ومن صرخة الثكلى نشيدا لحملة انتخابية؟ يقطرون الدم على صناديق الاقتراع فتتحول الصناديق إلى قبور صغيرة، ويتاجرون بأنين جنين ليشترى به مقعد خشبي في هيئةٍ. أهذا هو الميراث؟ أن يصير كرسي الشهيد سلعةً في سوق النخاسة، بينما كرسي القدس عرش فارغ يئن من وحشة المنتظرينَ؟

وفي زوايا الرابطة، يتسلل طرح بائس كالأفعى بين الحروف، يزعم أن للقدس تيارا، وللتجمع تيارا، كأن الوطن يُقسّم على موائد القسمة. هذا فرزٌ مسمومٌ يغتال هوية الرابطة التي وُلدت من رحم البارود والحبرِ. الرابطة ليست سجلا للمواليد، ولا دفترا للأنساب. معيارها دمٌ يكتب القصيدة، وقصيدةٌ تحرس الدم. فليس كل من حمل هويةً من أصل فلسطيني قد توضأ بماء المقاومة، ولا كل من وُلد هنا قد خرج من رحم الخيانةِ. كفى متاجرة بالأصل على موائد أوسلو، وكفى ذبحا للثقافة على مذبح الفصل بين الحبر والرصاصة، كأن القلم يمكن أن ينبت في أرض بلا بندقية تحرس ظلهُ.

إن الرابطة حين تتحول إلى ساحة لصراع الديكة، وحين تُستبدل أدبياتها التأسيسية بنعيق الغربان على المقاعد، تصير قبرا للمعنى. فالرابطة ليست حلبةً يتصارع فيها العميان، ولا سوقا تُباع فيه المنابر بالمزادِ. هي محرابٌ إذا دخله المثقف خلع نعلي مصلحته، وهي سفينةٌ إذا ثقبها المتنازعون غرقوا جميعا ومعهم الحلمُ. وإذا انطفأت منارة الرابطة، صارت كل المرافئ ظلاما، وكل البحارة تائهينَ.

هذا هو الاغتيال الناعم، أن تتحول القضية من بوصلة تشق ظلام التيه، إلى خنجر مسموم في يد مرشح يغرسه في ظهر الناخب حتى يسلم له صوته، لا إيمانا، بل خوفا من لعنةٍ. يعبئون باسمها الجماهير في معركة ظلال، ليرسموا حدود سايكس بيكو جديدة على جلود القلوب بعد أن حفرها العدو على جلد الخرائطِ. يعلمون الناس أن فلسطين فريقان يتقاتلان، لا حقٌ وباطلٌ يتصارعان منذ فجر التكوينِ.

يا سادة، فلسطين ليست تميمةً تعلقونها على جدران خلافاتكم كي لا تصيبكم عين الحقيقةِ. ليست سيفا من ذهب تهدونه لبعضكم في وليمة انتخابية، ثم تغرسونه في صدر الوعي إذا خالفكم. كل معركة جانبية ترفعون فيها اسمها، هي مسمار جديد في نعش الأمة، لأنكم تحولونها من جرح كوني يصرخ من المحيط إلى الخليج، إلى قشة يتعلق بها الغريق في بركة محليةٍ.

الوعي أن ننقذ فلسطين من مخالب محبيها الكذبة، قبل أن نطلب إنقاذها من أنياب أعدائها. أن ننتزعها من ألسنة المزايدين، ونعيدها إلى عرشها: ميثاقا أخلاقيا معلقا فوق رؤوسنا كسماءٍ. هي ليست وتدا نعلق عليه خرائبنا النقابية، بل هي القبة التي إن هوت، هوينا جميعا تحت أنقاضها. ومن جعل هذه القبة سلما ليطل من شرفة في الرابطة، فليعلم أن القبة ستنهار عليه، وعلى شرفته، وعلى الرابطة كلها، لأن القضية التي تُستثمر لا تُثمر، والجرح الذي يتحول إلى سوط لا يبرأ، بل يجلد صاحبه قبل أن يصل إلى جلد عدوهِ. فكفوا عن جعل دم الشهيد مدادا لتوقيعاتكم، وكفوا عن جعل اسم المظلومية الفلسطينية رصاصةً في صدركم، في حرب باردة لا منتصر فيها إلا الضياع.