من حلف بغداد إلى حلف مكة: حين تتغيّر الأسماء ويبقى الدور
محمد صادق اليحياوي
حين وُقّع حلف بغداد عام 1955، لم يكن جمال عبد الناصر ينظر إليه باعتباره مجرد اتفاق دفاعي بين دول المنطقة، بل باعتباره جزءًا من منظومة غربية تقودها الولايات المتحدة وبريطانيا لإعادة تثبيت نفوذهما في الوطن العربي، وتطويق المشروع القومي العربي الذي كانت القاهرة الناصرية تمثله. كان العنوان المعلن هو مواجهة الاتحاد السوفياتي، لكن المعركة الحقيقية داخل المنطقة كانت أيضًا مع عبد الناصر، ومع محاولة مصر امتلاك قرارها السياسي والخروج من نظام التبعية الذي أرادته القوى الاستعمارية السابقة. ولهذا لم يكن رفض القاهرة للحلف رفضًا للتعاون الأمني في حد ذاته، بل رفضًا لأن يتحول الأمن العربي إلى وظيفة في استراتيجية يحددها الآخرون.
اليوم، وبعد أكثر من سبعين عامًا، تعود الأحلاف إلى المنطقة من بوابة مكة. السعودية وتركيا وباكستان، بثقلها العسكري والسياسي والاقتصادي، توقّع اتفاقًا للدفاع المشترك في لحظة لا يمكن فصلها عن الحرب مع إيران وعن الصراع على مستقبل النظام الإقليمي. وكما في بغداد، لا تحتاج الولايات المتحدة إلى أن تكون عضوًا رسميًا في الحلف حتى تكون حاضرة في خلفيته الاستراتيجية. فالدول الثلاث، رغم اختلاف مصالحها وحساباتها، تتحرك داخل منظومة دولية تقودها واشنطن؛ تركيا عضو في الناتو، والسعودية ترتبط بالولايات المتحدة بشبكة أمنية وعسكرية عميقة، وباكستان تمتلك تاريخًا طويلًا من الشراكة الاستراتيجية معها. هي قوى إقليمية وازنة، لكنها تتحرك ضمن سقف أميركي واسع يحدد كثيرًا من قواعد الأمن في المنطقة.
وهنا تحديدًا يصبح حلف مكة أكثر من اتفاق دفاعي. فالبيانات الرسمية تؤكد أنه لا يستهدف دولة بعينها، لكن توقيته وسياقه يجعلان من الصعب تجاهل موقع إيران في المعادلة. فإذا كان حلف بغداد قد تشكّل في زمن الحرب الباردة تحت عنوان احتواء «الخطر السوفياتي»، بينما كان يؤدي في المنطقة وظيفة تطويق عبد الناصر ومشروعه القومي، فإن حلف مكة يأتي اليوم في لحظة أصبحت فيها إيران القوة الإقليمية التي تواجهها الولايات المتحدة وحلفاؤها، وتأتي معها قوى المقاومة التي بنت نفوذها على أساس رفض الهيمنة الأميركية والعدو الصهيوني. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الحلف باعتباره محاولة لإعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بإيران وتقليص قدرتها على الحركة، تمامًا كما استُخدمت أحلاف الخمسينيات لتطويق القاهرة الناصرية.
ولا يعني ذلك أن السعودية أو تركيا أو باكستان تتحرك بلا مصالح خاصة بها، أو أنها مجرد أدوات صامتة في يد واشنطن؛ فالدول الكبرى إقليميًا لا تتحرك بهذه البساطة. لكن استقلال الحسابات لا يلغي حقيقة أن سقف الحركة تحدده بنية القوة الدولية. واشنطن لا تحتاج دائمًا إلى إصدار الأوامر أو الجلوس إلى طاولة الاتفاقات؛ يكفي أن تتوافق وظيفة التحالف مع استراتيجيتها. وهذا ما حدث في حلف بغداد نفسه، حيث لم تكن الولايات المتحدة عضوًا رسميًا، لكنها كانت القوة الأساسية الدافعة للمشروع والداعمة له.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الاتفاق دفاعيًا في نصه، بل ما الذي يدافع عنه في السياسة؟ ومن يحدد مصدر الخطر؟ ومن يرسم حدود العدو؟ ففي الخمسينيات كان المطلوب احتواء عبد الناصر ومنع المشروع القومي العربي من بناء نظام إقليمي مستقل، واليوم يبدو أن المطلوب، ضمن منظومة أوسع، احتواء إيران ومحور المقاومة ومنعهما من فرض معادلة إقليمية خارج السقف الأميركي ـ الصهيوني. تبدلت الأسماء، وتبدلت الجغرافيا، لكن منطق الحلف بقي حاضرًا: قوى إقليمية كبيرة تتحرك ضمن نظام أمني أوسع، وتُستخدم أوزانها لإعادة ترتيب الوطن العربي في مواجهة قوة إقليمية أخرى.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية. فبدل أن تُبنى منظومة أمن إقليمية مستقلة تنطلق من مصالح شعوب الوطن العربي، يجري تقسيم الوطن العربي مجددًا إلى أحلاف ومعسكرات، بحيث تصبح إيران في جهة، والسعودية وتركيا وباكستان في جهة أخرى، فيما تبقى الولايات المتحدة القوة القادرة على إدارة التوازن بين الجميع. بالأمس كان المطلوب من المنطقة أن تصطف في مواجهة السوفيات وأن تعزل عبد الناصر، واليوم يجري دفعها إلى اصطفاف جديد عنوانه احتواء إيران والمقاومة. وفي الحالتين لا يكون السؤال: ماذا تريد المنطقة؟ بل: أي طرف تريد واشنطن أن تحتويه المنطقة؟
من بغداد إلى مكة، إذًا، ليست القضية في أسماء الدول ولا في الشعارات الدفاعية، بل في الوظيفة السياسية للحلف. حلف بغداد لم يكن مجرد حلف ضد موسكو، بل كان جزءًا من معركة احتواء عبد الناصر والمشروع القومي العربي. وحلف مكة، في سياق الصراع الراهن، يبدو جزءًا من معركة احتواء إيران ومحور المقاومة. وبين الحلفين سبعة عقود، لكن السؤال الذي لم يتغير هو نفسه: هل تصنع المنطقة أمنها بإرادتها، أم تتحرك القوى الإقليمية الوازنة داخل سقف ترسمه واشنطن، لتصبح المنطقة مرة أخرى ساحةً لصراع الآخرين؟