ما وراء جدار العداء: نحو رؤية "دولتية" للعمل الثوري التقدمي
فادي أحمد | ناشط سياسي
لطالما اتسمت العلاقة بين القوى الثورية التقدمية وأجهزة الدولة و لاسيما المنظومة الأمنية بحالة من "القطيعة البنيوية"، وهي حالة ناتجة عن إرث تاريخي يعيد إنتاج نفسه، حيث يُنظر إلى مؤسسات الدولة كـ"قلعة معادية" يجب اقتحامها أو هدمها. إلا أن هذا التوصيف، وإن كان مفهوماً في سياق النضال التحرري، بات اليوم يمثل مأزقاً استراتيجياً يعيق بناء مشروع الدولة المنشودة على أسس واقعية بعيداً عن الرومانسية الثورية، ويحول العمل الثوري إلى حالة من "العبث السياسي" الذي لا ينتج سوى الهامشية، في مقابل قوى يمينية خبرت الدولة جيداً، وخطت استراتيجيات مكنتها تاريخياً من الإمساك بزمام الأمور. مراهقة الثورية: فخ التمرد المستديم لا بد من الاعتراف بأن استمرار حالة العداء المطلق مع أجهزة الدولة يمثل امتداداً لما يمكن تسميته بالعقلية الاحتجاجية؛ وهي ذهنية تقوم على الرفض الوجودي لكل ما هو مؤسساتي. إن بقاء القوى التقدمية رهينة لهذا المنطق يعني أنها ما تزال حبيسة مرحلة الاعتراض، ولم تنتقل بعد إلى مرحلة بناء البديل وإدارة الدولة. إن التعامل مع الدولة بعقلية "الصدام الدائم" يجعل من القوى الثورية مجرد طاقة هدم تراكمية، لا مشروع حكم بديل. فكيف لقوة تطمح للوصول إلى السلطة أن تتبنى استراتيجية تهدف إلى تقويض أدوات هذه السلطة نفسها؟ هذا هو التناقض الجوهري الذي يمنح أعداء التغيير الحقيقيين فرصتهم الذهبية للطعن في أهلية هذه القوى لإدارة الدولة. وهم التعارض الحتمي بين الثورة والمؤسسة على سبيل الذكر لا الحصر، تُعد الفكرة التي تروج لها بعض النخب التقدمية بأن الأمن "عدو طبيعي" فكرة صبيانية تفتقر إلى البراغماتية السياسية، فالأمن في جوهره وظيفة سيادية لا تستقيم الدولة بدونها. إن العداء للأجهزة ليس عداءً لأشخاص، بل هو عداءٌ لفكرة الاستقرار بحد ذاتها، مما يولد دائرة مفرغة من عدم الثقة: (القوى الثورية تعادي الجهاز، مما يدفع الدولة لمزيد من التضييق الأمني، والدولة تستخدم التضييق كذريعة لإثبات "فوضوية" الثوار). النتيجة: بقاء الدولة في حالة "عسكرة" دائمة، وبقاء القوى التقدمية في حالة "تطرف" احتجاجي، والضحية هو المشروع الوطني الجامع. من "القطيعة" إلى "الاستيعاب الاستراتيجي" القطيعة مع أجهزة الدولة لم تكن يوماً دليلاً على نقاء ثوري، بل كانت في كثير من الأحيان هروباً من مواجهة تحديات الحوكمة. إن النضج الثوري يقتضي الانتقال من مربع العداء إلى مربع المأسسة. إن القوى الثورية التي تريد بناء دولة عادلة لا تكسر أجهزتها، بل تعيد صياغة عقيدتها. يجب أن يتحول الصراع من صراع وجود (إما نحن أو أنتم) إلى صراع "قيم وأهداف" داخل المؤسسات. إن الوصول إلى السلطة يتطلب إدراكاً بأن الدولة ليست مجرد "عدو" يجب إقصاؤه، بل هي "ميدان" يجب العمل عليه وتطويره.