التطبيع المسلّح: كيف دخل كيان العدو إلى الصحراء الغربية؟
فادي احمد | ناشط سياسي
يشهد المغرب العربي تحولاً متسارعاً في بنيته الأمنية مع اتساع الحضور العسكري لـكيان العدو داخل المنطقة عبر بوابة اتفاقيات التطبيع. ولم يعد هذا الحضور مقتصراً على التعاون السياسي أو صفقات التسليح، بل امتد إلى بناء شراكات صناعية وعسكرية دائمة، بما يؤشر إلى انتقال التطبيع من إطار العلاقات الدبلوماسية إلى منظومة أمنية متكاملة. يكتسب اغتيال القائد الميداني الصحراوي لحبيب محمد عبد العزيز -ابن القائد التاريخي محمد عبد العزيز- ورفاقه دلالة تتجاوز الحدث العسكري المباشر، إذ يعكس دخول النزاع في الصحراء الغربية مرحلة تعتمد بصورة متزايدة على الحرب غير المأهولة. فقد أصبحت الطائرات المسيّرة والذخائر المتسكعة أحد أهم عناصر إدارة العمليات، بعد أن نجحت في تقليص فعالية تكتيكات المناورة التي اعتمدتها جبهة البوليساريو لعقود داخل البيئة الصحراوية. استندت العقيدة القتالية للبوليساريو تاريخياً إلى حرب الحركة والاستنزاف، مستفيدة من اتساع المجال الصحراوي وصعوبة فرض مراقبة دائمة عليه. غير أن دمج الطائرات المسيّرة مع الأقمار الصناعية ووسائل الاستطلاع الإلكتروني وشبكات القيادة والسيطرة أنتج ما يعرف في العلوم العسكرية بـالاستهداف الشبكي، حيث تنتقل البيانات بصورة فورية بين وحدات الرصد ومنصات إطلاق الذخائر، فتختصر دورة الكشف والتعقب والتحديد والاستهداف إلى دقائق معدودة، وهو ما يقلل بصورة كبيرة من قدرة الوحدات المتحركة على الإفلات من الضربات الدقيقة. ولا يقتصر التحول على استخدام هذه المنظومات، بل يمتد إلى توطين الصناعات العسكرية داخل المغرب. فإقامة خطوط إنتاج مشتركة ونقل التكنولوجيا العسكرية يمثلان انتقالاً من علاقة قائمة على شراء السلاح إلى شراكة صناعية استراتيجية تضمن استدامة الإنتاج والصيانة والتطوير، وتمنح المجمع الصناعي العسكري التابع لكيان العدو موطئ قدم دائم في شمال إفريقيا. يعكس هذا المسار تحول اتفاقيات التطبيع إلى بنية أمنية إقليمية ترتبط فيها المصالح العسكرية والاستخباراتية والتكنولوجية. فالمقاربة الحالية تقوم على دمج أنظمة القيادة والسيطرة والحرب الإلكترونية والاستشعار عن بعد ضمن شبكة عمليات موحدة، وهو ما يمنح الجيوش المتحالفة مع كيان العدو قدرة أكبر على إدارة العمليات عالية الكثافة، ويعيد تشكيل ميزان القوى في الإقليم. وتزداد أهمية هذه التحولات بالنظر إلى الوضع القانوني للصحراء الغربية، المصنفة أممياً ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، في وقت لا يزال فيه مسار تقرير المصير معطلاً منذ عقود. أدى هذا الجمود السياسي إلى منح المقاربة العسكرية مساحة أوسع، وأصبحت التكنولوجيا العسكرية تؤدي دوراً مباشراً في تغيير الوقائع الميدانية، بما ينعكس على مستقبل النزاع ومسارات تسويته. أما على المستوى المغاربي، فإن الحضور العسكري لكيان العدو يتجاوز حدود النزاع الصحراوي ليؤثر في منظومة الأمن الإقليمي برمتها. فإدخال منظومات استخباراتية ورادارية وحرب إلكترونية متطورة إلى المنطقة يفرض معادلات ردع جديدة، ويدفع القوى الإقليمية إلى تسريع برامج التحديث العسكري، وتطوير وسائل مكافحة المسيّرات، وتعزيز قدرات الدفاع الجوي والإنذار المبكر. وتكشف هذه التطورات عن تحول أوسع في طبيعة الحروب المعاصرة، حيث لم تعد السيطرة على الأرض وحدها العامل الحاسم، بل أصبحت الهيمنة على المعلومات، والمجال الكهرومغناطيسي، وشبكات القيادة والسيطرة، والذكاء الاصطناعي، عناصر مركزية في صناعة التفوق العسكري. وفي هذا السياق، تتحول الصحراء الغربية إلى إحدى ساحات اختبار هذا النموذج القتالي الجديد، بما يحمله من انعكاسات استراتيجية تتجاوز حدود الإقليم، وتمس توازنات الأمن القومي في المغرب العربي والعالم العربي.