الشباب و المشاركة السياسية

الشباب و المشاركة السياسية
محمد البيولي | باحث في علم الاجتماع و رئيس منظمة شباب حركة الشعب

تتعدد األحداث السياسية و االجتماعية بالوطن العربي بوتيرة متسارعة منذ عقد و نيّف، و يشهد المجتمع العربي تغي ّرات عميقة مست ج ّل أركانه. و الالفت لالنتباه أن جيال كامال من الشباب يُعايش هذه التحوالت و يتابعها بالمشاركة و التأثير تارة، و باالنكفاء و االنسحاب طورا . تعدّ ظاهرة المشاركة السياسية احدى أبرز الظواهر التي تؤرق الباحثين و تُحيّر المباشرين للشأن العام، من حيث األهمية و التعقيد في اآلن ذاته. فال يمكن ألحد انكار الضعف الشديد لمشاركة الشباب في الشأن السياسي و العام.. قد ال تقدّم هذه الورقة حلوال مباشرة السترجاع فئة الشباب و اقحامها في الشأن العام،و قد ال تتوسع، أكاديميا، بالشكل الكافي في التحليل و التمحيص إال أنها ستحاول قدر االمكان وضع أكثر عدد من الفرضيات و القرءات التي تفسر ماذا يحصل بين الشباب و السياسة "الشباب " يصبح مفومها خالفيا في عديد الدراسات و ذلك حسب المجال و تجدر اإلشارة إلى أ ّن مفهوم العلمي ذو الصلة. إال أن أغلب الباحثين يلجؤون إلى التعريف العمري الذي تتبناه األمم المتحدة فتحدد منظمة اليونسكو الشباب بالفئة التي يترواح عمرها بين 51 و 42 سنة مع السماح ببعض "المرونة" في تعريف هذه الفئة و األخذ بعين االعتبار المعطيات اإلجتماعية و الثقافية. و للتمتع بإجازة المرونة هذه، وبالعودة إلى موضوع الحال، يمكن القول، ولو مؤقتا، أن الشباب هو كل من يتراوح سنّه بين 51 و 51 سنة و له من المميزات الثقافية و االجتماعية التي تميّزه عن غيره، من حيث القدرة على الحركة النشيطة والوعي الفكري الشبابي.* و الذي يُعدّ هو االخر أحد المباحث " المشاركة السياسية " و في الجانب اآلخر ال بد من االشارة إلى مفهوم التي تتوسع لدى باحثي العلوم السياسية و الفلسفة و علم االجتماع و غيرها. فيتطور تعريف المشاركة السياسية باطراد ، فيمكن القول ، مؤقتا أيضا ، أنها كل ممارسة أو فكرة أو سلوك يأتيه الفرد في عالقة بالشأن السياسي، و ذلك باعتبار أن الفعل السياسي فعل واع باألساسي و حتى االنسحاب و المقاطعة فيه تعد مشاركة في الشأن السياسي.* في زمن ليس ببعيد كانت فيه الجامعات في الوطن العربي تشهد حراكا شبابيا نشطا و متنوعا، و كانت الحركات الطالبية فيه تعبّر عن وعي جماهيري سياسي طالئعي. و لالشارة فإن أغلب الفاعلين السياسيين اليوم هم نتاج تلك المرحلة المهمة. و لتوجيه البحث نحو مسألة الشباب و المشاركة السياسة، يمكن تسليط الضوء حول مالمح الشخصية القاعدية التي ينشأ عليها الشاب إبان تلك الفترة من الحراك الطالبي. إذ كانت قيم اإليثار و المباجلة و االحسا بالمسؤولية تجاه االخر من ناحية و كذلك ففات العلم و الثقافة و االطالع من ناحية أخرى رأ مال رمزي يحقق للشاب سطوة في محيطه و يمكنه من أكبر قدر من الهيمنة على أقرانه، فكان الشاب الموسوعي ذو األخالق العالية الواعي بقضايا شعبه و هموم مجتمعه المثال النموذجي للشباب، فيكون قدوة و مرجعا و مثاال يحتذى به. و عليه كانت المشاركة الفعالة في الشأن العام و االهتمام بالسياسة و القضايا العادلة ضرورة اجتماعية و نفسية حتى يراكم من خاللها الشباب مكانته و دوره. أما اليوم، و في خضم التشكيل الفرداني للشاب ، تغي ّر رأ المال الرمزي الذي يحتاجه الشاب حتى يحقق السطوة في حقله الشبابي، إذ أفبح معطى المادة و المظهر أهم عنصرين يحتاجهما الشاب حتى "يبدو ناجحا " ناجحا في أعين أترابه و أمام نفسه قبل كل شيء . وهو ما يمكنه من أخذ المساحات االجتماعية التي يريد. فكلما كان المظهر جذابا و كلما كانت االمكانات المادية متوفرة إال ووجد الشاب الحظوة لدى ّ الشباب. ويُفهم ذلك في إطار ما تعيشه المجتمعات من هيمنة ليبرالية . ر ذلك أي و قد أث ما تأثير على مسألة المشاركة السياسية، فلم يعد االهتمام بالسياسة و االطالع على مستجدات االحداث و األفكار يحقق الشيء الكثير للشاب أمام أقرانه. بل العكس، فقد يجعله ذلك يتخلف عن الركب و يخلق مسافات فكرية و نفسية تحول بينه و بينهم في أحيان كثيرة، أي أنه يراكم رأ مال رمزي ال يحقق له شيئا في سوق المتاع الرمزي. إن اعتماد المقاربة البوردوية )نسبة إلى بيار بورديو( و توسيعها في تفسير عالقة الشباب بالشأن السياسي يمكن أن تقدم إجابات مهمة و جادة حول هذه العالقة. كما يمكن االنطالق من االنثروبولوجيا الكالسيكية لتفكيك الجدل الحافل بين الشباب والسياسة، و هنا يمكن اإلستئنا بما طرحه مارسال مو حين قال أن كل العالقات االجتماعية تقوم على مبدأ التبادل **. إذ يرى أن ميكانيزم التبادل االجتماعي يتسأسس على ثالث ضرورات أساسية، ضرورة العطاء، ضروة االستقبال و ضرورة رد العطاء. فيلتزم طرفي)أو أطرافها( العالقة التبادلية بالضرورات الثالث حتى تتحقق المصلحة المشتركة للجميع. و بمقاربة العالقة بين الشباب و السياسة "مقاربة تبادلية"-ان فحت العبارة- و البحث عن مدى اشتغال هذا الميكانيزم. فإننا نجد خلال وظيفيا يترتب عن هذه العالقة. فعندما انخرط الشباب في المسألة السياسية و قدم نضاالت متنوعة و عديدة من تظاهر و انخراط في االحزاب وتفكير و غير ذلك ، )التزام الطرف االول بضرورة العطاء ( ، و كان مستعدا لتلقي رد العطاء، تخلفت مؤسسات الدولة عن رد العطايا، من خالل التملص من التعهدات و استثناء قضايا الشباب من سلم أولويتها د هوة من عدم الثقة تتوسع رقتها كل يوم. فما عاد ّ و انجزاتها – إن كان لها انجازات أفال- . وهو ما ول الشباب ملتزما بضرورة العطاء للدولة )من خالل الفعل السياسي( و ال عادت له انتظارات منها، و ال الدولة التزمت بضرورة رد العطاء. و لسائل أن يسأل عن العالقة المضحكة بين وزرات الشباب في الحكومات العربية و الشباب. إذ ال تتجاوز العالقة حد التسمية و بعض البنايات المهجورة من الشباب. فما بالك بقضايا التشغيل و البحث العلمي و الثقافة و الرياضة. ناهيك عن أن التوتر بين الشباب مؤسسات الدولة يبلغ أقصاه ، ال عند اختالف الطروحات السياسية، بل عند منع الشباب من الهجرة و الهروب من البالد. قد تف ّسر عالقة الجحود المتبادل بين الدولة و الشباب جانبا مهّما من قضية ظاهرة مشاركة الشباب في الحقل السياسي. فال مصلحة عينية يتلقاها الشباب من تضحيته بوقته و جهده. و ال يمكن تجاوز دور مؤسسة اإلعالم في سيرورة العالقة بين الشباب و السياسة، فال بد من التنبه إلى ما لعبه و يلعبه االعالم من دور و ما أداه من مهام أثرت بشكل مباشر في ممارسة الشباب للسياسة. و قد ال يتسع المجال هنا لتفكيك الخطاب االعالمي السياسي الموجه الموجه –بشكل أو بآخر – للشباب. إال أنه يمكن رفد أهم الرسائل التي أراد اإلعالم العربي و الدولي توجيهها )تلقينها ( للشباب. طالما توجه االعالم إلى الشباب بخطاب سياسي معقد الشكالن و فعب المصطلحات و يحط من قيمة و يخبره بأنه ذو خبرة و دراية قليلة و عليلة بالشأن السياسي، و أن عليه االنتظار و االكتفاء باالتباع و المتابعة. كما لم يتوانى اإلعالم في اظهار عالم السياسة في فورة غامضة مريبة، فكانت نظرية المؤامرة تحيط بكل تفسير للمستجدات السياسية و أضحى الحديث عن أطراف مجهولة ذات نفوذ كبير فكرة أساسية يتبناها الشاب العربي في فهمه للواقع، و عليه فهو يرى أن ال طائل من مشاركته و بذل جهده، فكل شيء يدار من وراء الستار . و قد يكون استئثار الفئات االجتماعية المغايرة للشباب بالظهور االعالمي و احتكار المنابر، األثر المهم على عالقة الشاب بالمسألة السياسة، فكلمها حاول التعبير عن قضاياه و رؤاه التي قد ال تتماشى مع توجهات المؤسسات االعالمية الكبرى السمعية البصرية و حتى االفتراضية منها، إال ووجد الصد و االبعاد. فما عاد الشاب يعول على االعالم حتى يبلغ فوته أو يستسقي معلوماته. تختلف أدوات التحليل و الفهم و تتنوع إال أن جميعا يسهم بجزء ال يستهان به في دراسة العالقة بين الشباب و السياسة. إن عدم الخوض في هذه العالقة و التنبه إلى مخاطر هجر الشباب للشأن العام قد يسهم في اتساع الهوة، و ينذر بمستقبل ال ساسة فيه و ال سياسة، مستقبل قد تكون فيه مصائر الشعوب بين أيدي مجموعة من الهواة أو العمالء ال تربطهم بالسياسة سوى مصالح ذاتية.