العمى
د. موفق محادين
ابتداء، فالمقصود تحت هذا العنوان، العمى كعتمة جماعية، عند المثقفين والعامة على حد سواء، مقابل دلالات نقيضة تماما مثل الحدوس العظيمة للبصيرة عند المعري، ومقابل دلالات أخرى كما في رسالة حول العميان من أجل المبصرين للموسوعي الفرنسي التنويري، ديدرو (القرن الثامن عشر) الذي استنهض بدائل متعددة للركود الفكري ومنها البصيرة والحواس المادية الملموسة، ونعرف أيضا أن كتاب (نكت العميان) لصلاح الدين الصفدي لا يخلو من إشارات ملغزة.
العمى كعتمة جماعية، تلف بعض المثقفين والعامة، هو العمى الرمزي في صور مقاربات فكرية وأدبية من زوايا مختلفة عند أفلاطون وكيركغارد من جهة وعند ساراماغو من جهة ثانية، وعند بيكون و هـ. ويلز من جهة ثالثة، فمن المثالية إلى المادية وما بينهما، ثمة كهوف عديدة شكلت الإطار المكاني الضروري كحامل لمحمولات ودلالات فكرية بمعنى الحد الأول بالمنطق الفلسفي.
وفق أفلاطون، فالكهف وظلال النار على جدرانه الداخلية للمقيدين بأغلال رمزية والهاربين من الشمس، صورة تأسيسية لفكرة العمى التي استعادها الإنجليزي فرنسيس بيكون (القرن السابع عشر) في الأوهام الأربعة:
- القبيلة، الأفكار الفطرية القارة في سيكولوجيا الجماعة.
- الكهف الأفلاطوني.
- سوق التداول اللغوي وما يتضمنه من أغاليط ناجمة عن اضطراب اللغة في وسط اجتماعي متشعب الأهواء والثقافات.
- المسرح (من التجربة الاغريقية) وبمعنى سطوة المعرفة القديمة للأسلاف التي تجثم على عقل وصدور الأحياء.
في مقاربة أخرى من القرن التاسع عشر، أخذ رائد الوجودية الإيمانية، الدنماركي كيركغارد، منحى مضادا لما اعتبره صمنية عقلانية بيكونية، مستعيدا شيئا من الكهف الأفلاطوني ومركزا على كيفية الوجود الإنساني وليس على اقتراف تعريفي مادي جاف.
ظلت فكرة الكهف والعمى الفكري متداولة بصور مختلفة، وظهرت في أعمال روائية عديدة من عصرنا، أبرزها رواية العمى للبرتغالي اليساري ساراماغو، التي جاءت في سياق موجة من استنطاق ما وراء الموضوعات السائدة، على غرار كولن ويلسون ورواية كونديرا (النسيان) والأدب التشيكي عموما.
إلى ذلك، من الأعمال الأدبية المغيبة أو المنسية التي انطلقت من العمى لمقاربة الأرض اليباب الفكرية، قصة الروائي والكاتب الإنجليزي هـ. ويلز (بلد العميان) الصادرة عام 1904، وتدور أحداث القصة حول مغامر أو مكتشف بريطاني من هواة تسلق الجبال (ربما المغامرات الفكرية)، يتعثر وينزلق إلى واد سحيق في جبال الانديز في أمريكا اللاتينية، ويكتشف قرية من العميان (هاربون من الاستعمار الأسباني) وقد لا تخلو هذه الإشارة من صراع بين ما تمثله الثقافة الإنجليزية وما يعرف بعصر العقل وبين رواسب الثقافة الكلاسيكية الاسبانية.
العميان يسكنون في منازل بلا نوافذ وينامون في النهار ويستيقظون في الليل، الإشارات واضحة فيما يخص النوافذ والنهار والليل وفيما يخص الكهف الرمزي، الوادي الغامض البعيد وبما يذكرنا أيضا بكهف أفلاطون وجزيرة حي بن يقظان لابن طفيل.
نعرف من الرواية أن هذه الحالة تعود إلى 15 جيل (ربما ترمز إلى الاستعمار الاسباني وثقافته الكلاسيكية)، كما نعرف أن الهاربين المذكورين تعرضوا لحادثة نتيجة انهيارات صخرية، يمكن ربطها بالأفكار المتداولة عن الطوفان وتيه البشر بسبب الخطيئة.
الحادثة أدت إلى حالة مرضية أفقدتهم بصرهم، أي أنهم لم يولدوا عميانا في الأصل في إشارة لأفكار روسو بعكس أفكار جون لوك (البشر يولدون صفحة بيضاء)، أي أن البشر بحسب ويلز وروسو ولدوا في منظومة أخلاقية طبيعية قبل الانقسام الطبقي وتطويقهم بالايديولوجيات والتأويلات الدينية المتشددة التي ألحقتهم بالوصايات المعروفة وقللت من قيمة المحاكمات العقلية.
عندما حاول الوافد الغريب، المتسلق، المبصر، أن يشرح لهم أن أسلافهم ولدوا مبصرين بحكم الطبيعة، وأن العمى ظاهرة جديدة، اكتشف أن ايمانهم بالعمى كحقيقة وحيدة، ايمان راسخ لا يتزحزح وأنه كغريب يسعى إلى محو ثقافتهم ويهدد أمنهم وعتمتهم، وكاد أن يتعرض للقتل والتكفير، أعلن توبته وقرر الاندماج في حياتهم بل والزواج من فتاة أحبها رغم أنه فشل في اقناعها هي الأخرى.
وعندما تقدم لخطبتها وطلبوا منه فقأ عينيه كمهر مقابل ذلك، اختار مغادرة العتمة والخروج على سفر تكوينهم، انتظر طلوع الشمس وخلودهم للنوم وراح يصعد الجبل.