إلى العماد في ذكراه
محمد خالد كاتب عربي
في كتابه "انهض واقتل أولّاً" ، يروي الصحافي الصهيونيّ "رونين بيرغمان"، تفاصيل العمليّة التي اغتال فيها العدو القائد الشهيد عماد مغنيّة، في دمشق بتاريخ 12/02/2008، والتي يصفها أحد قادة العمليّة بأنها الأكثر كلفة واستنزافا للموارد لدى الأمريكيين والصهاينة حتى وقتها (وقد لا تتفوق عليها في الكلفة إلا عمليّة اغتيال سماحة السيد الشهيد، رضوان الله عليه، وهي على ما نُشِر من تقارير مؤخرا بلغت أكثر من 40 مليون دولار أمريكي).
استقرّ العدو من ضمن خيارات كثيرة جرى تدقيقها على أنه من شبه المستحيل، الوصول إلى الحاج رضوان، الذي نجح في خداع أجهزة الاستخبارات العالمية لفترة تتجاوز الثلاثين عاما، إذ أن نمط حركته لا يمكن التنبؤ به، كما أن عمل الموساد والاستخبارات المركزية الأمريكية في عاصمة معادية ذلك الوقت كدمشق، يصنّف على أنه عمل بالغ الخطورة، والتي بات الحاج رضوان يتردد إليها باستمرار بعد حرب تموز 2006 لعقد اجتماعات مختلفة، لكنهم استقروا أخيرا على زرع نوع خاص من المتفجرات في الإطار الاحتياطي لسيارة الدفع الرباعي التي كان يستقلها باستمرار، وأطلقوا اسم "كسارة البندق" على العمليّة.
لن أغوص في هذه التفاصيل أكثر، لكن الجميع، وأعني هنا خصوم حز.ب الله ومؤيديه على حد سواء، يتفقون أن اغتيال الحاج رضوان شكّل لحظة فارقة، اختلف معها الحزب نفسه، فيما يتعلق بالنواحي العسكريّة، وأكثر منها النواحي الأمنيّة، وازدادت هذه المراجعات بعد ما تعرض له الحزب الغالب من ضربات فادحة خلال السنتين الأخيرتين؛ فالقول بأن مهام الحاج رضوان بعد استشهاده، انتقلت إلى أربعة من خيرة قادة المقا.و.مة ورجالها الأفذاذ، يكشف حجم التأثير الذي تركه غيابه.
لنشرح الأمر بمثال.. بعد تحرير الجنوب بيوم واحد، أمر الحاج رضوان بتدمير جميع المواقع والمنشآت الصهيونيّة التي أسسها العدو داخل لبنان خلال فترة احتلاله للجنوب، ورغم النقاش المحموم داخل الحزب حول هذه الخطوة، بأن من الممكن الإبقاء على المواقع والاستفادة منها، أو جعلها شواهد يزورها الناس، أصر الحاج رضوان على رأيه، بأنه لن يمنح العدو فرصة الاستفادة منها مستقبلا؛ إذ كان على يقين بأنه لن يسكت على ما تعرض له في الجنوب، وهو ما حصل لاحقا.
هذا التقدير المستقبلي يكشف عن عقلية فذّة لا نظير لها، أضيفت لها السريّة في عمل الحزب، وبان أثرها في حرب تموز المجيدة 2006، بمفاجآت: الكورنيت، الأنفاق، منصات الصواريخ الهيدروليكية، والدفاع من الخطوط الأماميّة، وهو تكتيك لم يسبق أن اتبعه أحد قبل حز.ب الله في كل حروب المقا.و.مات حول العالم؛ لذلك استحق الحاج رضوان أن يكون صاحب الانتصارين وقائدهما.
يروي الإعلامي عباس فنيش في مقابلة له قبل بضعة شهور، أن الحاج عماد وبمجرد أن أعلِن وقف إطلاق النار في حرب تموز، استدعى المقاتلين في الخطوط الأمامية من الجبهة في ذات اليوم، لاجتماع في أحد مدارس بنت جبيل، لاستخلاص العبر والدروس من المعركة، قبل أن يفكر في تشذيب لحيته أو حلق شعر رأسه.
لا عجب إذن أن يؤرخ لحرب تموز بوصفها انتصارا مذهلا في المنظار العسكري والاستراتيجي، رغم أنها حرب دفاعيّة خاضتها المقا.و.مة، ضمن إطار السريّة الذي عاد الحزب - بالمناسبة- لاتباعه بعد معركة "أولي البأس الأخيرة"، والحزب إذ يصرّح بأن عقيدته القتالية اليوم دفاعيّة، فهو يعود للأصول التي أرساها القائد عماد مغنيّة.
حتى في باب الإعلام وشؤونه كان للحاج رضوان بصمة، ولعلنا جميعا نتذكّر استهداف البارجة ساعر قبالة سواحل بيروت، خلال حرب تموز، أثناء إلقاء سماحة السيد الشّهيد، رضوان الله عليه، خطابه الشهير، الذي قال فيه: "انظروا إليها تحترق!". كان الحاج رضوان وقتها من أمر أحد المصورين بالوقوف منذ الصباح عند صخرة الروشة، وتوجيه كاميرته نحو البحر، وانتظار أمر بدء التصوير الذي أتاه قبل دقائق من استهداف "ساعر".
اختيار اللحظة، أمر يتقنه الحاج عماد، ومن تفجير مقر المارينز في بيروت 1983، والثأر لاغتيال السيد عباس الموسوي، وصولا لانتصار تموز، صنع مغنيّة مسيرته الأسطورية. يقول أحد ضباط استخبارات جهاز "أمان" لدى العدو: "لو كان مغنيّة موجودا للانتقام لموته، لكان الوضع مختلفا تماما. على الأرجح نحن محظوظون لأنه لم يكن كذلك".
الآن نعلم لماذا لقّب الحاج رضوان بـ"عزرائيل الصّهاينة".
سلام على من قال: "الهدف واضح ومحدد ودقيق، إزالة اسرائيل من الوجود".
سلام على العزيز على القلب، الحاج عماد وأصحابه أحياءً وشهداء..