إلى فنزويلا

إلى فنزويلا
محمد العملة
مهندس و كاتب

في كتابه "قراصنة أميرِكا الجنوبية" يقول الباكستاني طارق علي: "الشيء الأول الذي يلفت نظر الواصل إلى هافانا، من أي مكان في العالم تقريبا هو غياب ناطحات السحاب البشعة ولوحات الإعلانات العملاقة المسوّقة للمنتجات العالمية. هذا أمر ممتع!"

على مدى أكثر من ستة عقود، أخذت كوبا هويتها من تلك الثورة الشهيرة التي قادها كاسترو ومعه جيفارا، وناطحت مركز الرأسمالية على تخومه. كوبا كانت بحكم الجغرافيا السياسية في قبضة اليانكي الأمريكي، لكن وفاء كاسترو وإخلاصه لفكرة قاتل من أجلها جعل من كوبا نقطة انطلاق لتحرير ما تسميه الويلات المتحدة حديقتها الخلفيّة؛ فكانت بوليفيا "موراليس" ، برازيل "لولا دا سيلفا" ، أوروغواي "موخيكا"، تشيلي "أيّيندي"، فينزويلا "تشافيز" ثم "مادورو".

كلهم استمدوا الإصرار من صاحب اللحية الكثة المقيم في هافانا، مثواه الأخير؛ حيث لا ناطحات سحاب ولا لوحات إعلان ضخمة!

أخذت فينزويلا على عاتقها حمل هذا الإرث أكثر من غيرها، خصوصا عام 1998، بعد نجاح حزب MVR"حركة الجمهورية الخامسة" في الانتخابات الرئاسية والذي أسسه هوجو تشافيز عام 1994 بعد خروجه من السجن الذي أودع فيه نتيجة محاولته الإنقلابية العسكرية التي لم تكلل بالنجاح على حكومة اليميني الليبرالي "أندريس بيريز" عام 1992.

كان تشافيز أول رئيس في العالم يتحدى قرار الحظر الجوي الأمريكي على العراق، بزيارته بغداد في العام الذي وصل فيه إلى الرئاسة، قبل أن يتبعه بوضع دستور جديد للبلاد مع انتخابات رئاسية جديدة عام 1999. ووفق التعديلات الدستورية المقررة،  أحدث هيكلة جذرية في شركة البترول الوطنية الفينزويلية، مما يعني أن رابع أكبر مُصدّر للنفط في العالم، بات خارج القبضة الأمريكية.

خلال السنوات الماضية، ترجمت فينزويلا قراراتها السياسية في وجه كل مشاريع الهيمنة الغربية، من أفغانستان إلى روسيا وسوريا وإيران ولبنان وليبيا وفلسطين ودول الكتلة الإفريقية، علاوة على القارة الأمريكية الجنوبية.

الناظر في تاريخ السنوات الخمس والعشرين الأخيرة، يعلم أن ما حصل اليوم فينزويلا هو الطريقة الأخيرة للويلات المتحدة في مواجهة خصومها، فالمحاولات الانقلابية عامي 2002 و 2004 باءت بالفشل، ومهرجو أمريكا من بيدرو كرمونا إلى غوايدو سقطوا تباعا، وكل أدوات المؤسسات غير الحكومية لم تأتِ بالنتيجة المرجوة، ولا ما تم الكشف عنه من وثائق سرية تحت بند القانون الأمريكي "FOIA"، وصولا للحصار الاقتصادي الخانق، وكذبة الحرب على الاتجار بالمخدرات.

المتجول في شوارع كاراكاس يلمس ضريبة الموقف المناهض للويلات المتحدة.. شوارع مليئة بأعلام فلسطين ولبنان، وصور قادة المقا.و.مة وشهداء أمتنا.

نيكولاس مادورو سار على وصية هوجو تشافيز التي يقول فيها: "لن نهدأ حتى نحطّم كل السلاسل التي ترهق شعبنا, سلاسل الجوع والبؤس والاستعمار. سيصبح هذا البلد حرّا أو نموت ونحن نحاول أن نحرره.."

مادورو.. أنت لها يا رفيق!