خمس نقاط عن خرافة أرض الميعاد
محمد خالد: كاتب عربي
قبل يومين، خرج السفير الأميركي لدى الكيان الصهيوني، مايك هاكابي، بتصريح استفزّ حكومات دول المنطقة، وأدانته بالإجماع، يقول فيه: "لاسرائيل حق توراتي في السيطرة على المنطقة من نهر الفرات إلى نهر النّيل".
ورغم أن وجود الكيان الصهيوني في ذاته ينطلق أساسا من قاعدة أنه مشروع غربي للنهب، ولكن جرى تبريره تحت غطاء من الأوهام الأيديولوجية، إذ وظفت مؤسسات الاستشراق (خلال القرنين الماضيين) نصوص التوراة للخروج بكذبة سموها" أرض الميعاد" الممتدة من الفرات إلى النيل، والمبنية على كذبة ساذجة سموها الشعب العبراني، واخترعوا بعدها ما يسمى "الشعب اليهودي"، استنادا على النص التالي من سفر التكوين:
""فأخذ إبرام "ساراي" امرأته ولوطاً ابن أخيه وجميع أموالهما، التي اقتنياها، والنفوس التي امتلكاها في حاران، وخرجوا ليمضوا إلى موقع "شكيم" وإلى بلّوطة "مورة"، والكنعانيون حينئذ في الأرض، فتجلى الرب لإبرام وقال: لنسلك أعطي هذه الأرض.."
واليوم، يتم تسويغ ذات الأوهام لتبرير مشروع التوسع في المنطقة المسمى" الشرق الأوسط الكبير"، المنطلق من مشروع" اسرائيل الكبرى"، بوجود معاتيه صهاينة في الإدارة الأمريكية، ومسيانيين توراتيين في الكيان الصهيوني.
في الكلام التالي أورد خمس نقاط في الرد على جملة الخرافات هذه:
أولا.. أن الغالبية تنقل عن التوراة وحدها دونما أي اعتبار لأي وثيقة تاريخية أو شاهد أثري، وما له علاقة بهما من علوم الألسنيات، لكننا سنفترض أن الادعاء التوراتي صحيح (وهو ليس كذلك). النص التوراتي السابق يتحدث عن أرض موعودة لنسل إبرام (العابر) والذي سيصبح فيما بعد إبراهيم، ولكن هناك خلطا فاضحا بين إبرام وبين إبراهيم.
ثانيا.. أن اليهودية لم تكن قد ظهرت وقت الوعد -بافتراض صحته- ، ثم إن ذلك يسقط كذبة الشعب اليهودي لأن الوعد أعطي للعابر (إبرام) لا لليهود -وهم ليسوا شعبا حتى بهذه الصفة-، علاوة على أن الجغرافيا التوراتية في النص لا تتحدث عن نيل مصر وفرات العراق (باختلاف السرديات التي يرى بعضها أن مسرح الأحداث يقع في جغرافيا أخرى، وليس هناك ما يدعمها رغم أنها سرديات بثغرات أقل من السردية السائدة).
ثالثا.. النص التوراتي موجود في سِفْر التكوين، الذي يوجد بشأنه إجماع أنه موضوع في وقت متأخر عن وقت تدوين النص السبعيني (التوراة) الذي وضعه الكهنة لأول مرة خلال القرن الثالث قبل الميلاد (بعد النبي موسى بحوالي ألف عام وقت ظهور اليهودية التي تختلف عن شريعة بني اسرائيل)، وباللغة اليونانية ذات الحرف الفينيقي الغربي -الذي نقله المعلم (قدموس الفينيقي) معه إلى اليونان بعد هجرته إليها من سواحل سورية-.
رابعا.. العودة إلى إبرام (والميم هنا للتمويم المضافة للأسماء)، أما الياء والميم فهما للجمع في اللهجات القديمة، فإبرا بصيغة الجمع تصبح (إبرايم) أو (إبراهيم) وتعني العابرين، وليس عجيبا أن نعلم أن إبرام بقي مدعوا بهذه الصفة المفردة (دون إضافة الياء) في سفر التكوين التوراتي عندما كان يعبر وحيدا قبل أن يكون له أبناء، ثم صار إبراهيم (إبرايم) بعد قدوم ولده إسماعيل. المعنى أن إبرايم هي توصيف بمعنى العابرين وليس اسما في أصله، والعبور هنا يتعلق بالمرور من مكان إلى مكان بهدف الرعي أو السفر، وغالبا كتعبير عن ظاهرة يومية!
خامسا.. تسمية (الشعب العبراني)، توصيف لظاهرة يومية، ولو افترضنا أن العبرانيين أمة وشعب، لكن لا علاقة تربطهم بيهود اليوم ،وأن أرض الميعاد هذه ليست إلا موقعا بحث عنها إبرام أو العابر بهدف الرعي، والنص التوراتي يقول هنا: "وقال الرب لإبرام بعد أن فارقه لوط: ارفع طرفك وانظر من الموضع الذي أنت فيه شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، إن جميع الأرض التي تراها، لك أعطيها ولنسلك إلى الأبد". والواقع أن إبرام هذا لم يكن حاد البصر ليرى ما بين العراق ومصر!