حزيران والدرس المؤجل: كيف تُبنى القوة؟

حزيران والدرس المؤجل: كيف تُبنى القوة؟
محمد صادق اليحياوي | باحث علوم سياسية


في كلّ عام، تعود ذكرى هزيمة حزيران/يونيو 1967 لتفتح أبواب النقاش حول أسباب الانكسار العربي الأكبر في العصر الحديث. وتكاد السجالات السياسية والفكرية تحتكر المشهد: الديمقراطية أم الاستبداد؟ دور القيادة أم أخطاء المؤسسة العسكرية؟ العلمانية أم الدين؟ الفساد أم النزاهة؟ وهي أسئلة مشروعة، بل ضرورية، لفهم السياق التاريخي للهزيمة.

غير أنّ التركيز المفرط على هذه العوامل كثيراً ما يحجب حقيقة أخرى لا تقلّ أهمية، وربما كانت أكثر حسماً في ميدان الحرب نفسه: الفجوة الهائلة في القدرات المادية والعلمية والتكنولوجية والمؤسسية بين العرب و«دولة العدو».

لا يمكن إنكار أنّ الصراعات داخل مراكز القرار المصرية، وغياب آليات الرقابة والمحاسبة، وتضخّم الأجهزة البيروقراطية والأمنية، ساهمت جميعها في إنتاج ظروف الهزيمة. لكنّ هذه العوامل وحدها لا تفسّر كيف استطاع العدو أن يحقق تفوقاً ساحقاً خلال أيام معدودة، ولا كيف استمر هذا التفوق لعقود لاحقة رغم تبدّل الأنظمة والقيادات والظروف السياسية في المنطقة.

فالتاريخ العسكري لا يقدّم علاقة آلية بين الديمقراطية والكفاءة. دول ديمقراطية عريقة مُنيت بهزائم مدوّية، بينما حققت دول غير ديمقراطية مستويات مرتفعة من الكفاءة العسكرية والتنظيمية. المسألة، في جوهرها، تتعلق بقدرة الدولة على إنتاج المعرفة، وتطوير التكنولوجيا، وبناء المؤسسات، وتراكم الخبرات، وتحويل الموارد إلى قوة فعلية على الأرض.

منذ تأسيس الكيان الصهيوني، استفاد المشروع الاستيطاني من رافدين أساسيين: نخبة بشرية امتلكت مستويات مرتفعة من التأهيل العلمي والخبرة المهنية المتراكمة في أوروبا والغرب، ودعم مالي وسياسي وعسكري شبه مفتوح من القوى الغربية الكبرى. لم يكن العدو يبدأ من الصفر، بل كان يستند إلى خبرات متقدمة في مجالات التنظيم العسكري والاستخبارات والتكنولوجيا والإدارة.

في المقابل، كانت الدول العربية الخارجة حديثاً من الاستعمار تخوض معارك بناء الدولة الوطنية ومؤسساتها الأساسية. وكانت الجيوش العربية تتشكل وتعيد تنظيم نفسها في ظروف معقدة، فيما كانت الأجهزة الاستخباراتية لا تزال في طور التأسيس، وتعاني أحياناً من تداخل الوظائف الأمنية الداخلية مع المهام الاستخبارية الخارجية، الأمر الذي انعكس مباشرة على جودة المعلومات المتاحة لصنّاع القرار العسكري.

ولعلّ ما كشفت عنه حرب الاستنزاف بعد 1967 كان بالغ الدلالة. فحين أعادت مصر بناء قواتها المسلحة وخاضت معركة طويلة لاستعادة التوازن، ظهر بوضوح أنّ المشكلة لم تكن فقط في القيادة أو العقيدة القتالية، بل أيضاً في الفارق الكبير في مجالات الاستطلاع الجوي، والحرب الإلكترونية، والعمليات الخاصة، والتسليح النوعي، والقدرة الاقتصادية الداعمة للمجهود الحربي.

والدرس نفسه عاد للظهور بصورة أكثر حدّة في غزة. فالمقاومة الفلسطينية قدّمت نموذجاً استثنائياً في الصمود والإرادة والتضحية والارتباط الاجتماعي. ومع ذلك، كشفت المواجهة مرة أخرى أن الشجاعة وحدها لا تكفي، وأن الإرادة مهما بلغت صلابتها لا تستطيع بمفردها إلغاء الفوارق الهائلة في التكنولوجيا والقدرات الصناعية والاستخباراتية وحجم الدعم الدولي الذي يحظى به العدو.

من هنا، تبدو إحدى أهم الخلاصات التي تفرضها ذكرى حزيران أبعد من مراجعة الخيارات السياسية أو الفكرية، لتلامس سؤال القوة نفسه. كيف تُبنى قاعدة علمية عربية قادرة على إنتاج المعرفة لا استهلاكها؟ كيف تتحول الجامعات ومراكز الأبحاث والصناعة الوطنية إلى رافعة للمشروع القومي؟ وكيف يصبح التقدم التكنولوجي والتصنيع المتقدم جزءاً من استراتيجية التحرر، لا مجرد عنوان تنموي معزول عن الصراع؟

إنّ سدّ الفجوة مع دولة العدو مهمة تتجاوز ميادين المواجهة العسكرية المباشرة. فموازين القوى تُصاغ أيضاً داخل الجامعات ومراكز البحث العلمي والمصانع وشبكات الإنتاج والتطوير التكنولوجي. هناك تتراكم عناصر القوة الحقيقية، وهناك تُبنى القدرة الوطنية المستقلة القادرة على الصمود ومراكمة أسباب التفوق. ومن هذا المنطلق، تغدو معركة العلم والمعرفة والتكنولوجيا جزءاً أصيلاً من معركة التحرر العربي، وإحدى أكثر ساحاتها حسماً في رسم موازين القوة خلال العقود المقبلة.

بعد تسعة وخمسين عاماً على هزيمة حزيران، لا يزال السؤال نفسه مطروحاً بإلحاح: كيف تنتج الأمة أسباب القوة؟ فالإرادة، مهما بلغت صلابتها، لا تكفي وحدها لتغيير موازين الصراع. وحدها القدرة، حين تلتقي بالإرادة، تصنع التحولات الكبرى وتفتح الطريق أمام الأمة العربية لاستعادة موقعها في التاريخ.