حول الدعوة لما يسمى "بثورة" 26 يونيو في قطاع غزة!
بقلم : د.وسام الفقعاوي | باحث وكاتب سياسي
أطلقت مجموعة من «نجوم» وسائل التواصل الاجتماعي المقيمين خارج قطاع غزة، وبعضهم غادره خلال حرب الإبادة بعد دفع مبالغ مالية كبيرة مقابل تنسيق خروجه؛ دعوة إلى التظاهر في السادس والعشرين من يونيو، أو ما وصفوه بـ«الثورة»، رافعين شعارات عامة وفضفاضة تتمحور، في جوهرها، حول تغيير الواقع السياسي القائم. غير أن هذه الدعوات لم تطرح بصورة واضحة مطلب إنهاء حرب الإبادة المستمرة، ولم تجعل من مواجهة المسؤول المباشر عنها، أي العدو الصهيوني، عنوانًا رئيسيًا لها، خصوصًا في ظل ما هو معروف عن مواقف عدد من القائمين عليها وعدائهم المُعلن للمقاومة وقواها الوطنية، بل يتجاوز الأمر ذلك إلى الحق في وضع علامات استفهام كبيرة حول بعض مُطلقي هذه الدعوة، خاصة في ظل ما تمنحه لهم وسائل إعلام العدو المتنوعة، من مساحة حضور وتأثير واضحة ومنها: فضائية مكان وجسور نيوز والعربية وسكاي نيوز وصفحة المنسق وغيرها. وللتوضيح بهذا الشأن، فمن حيث المبدأ، فإن من حق الشعوب التعبير عن رأيها وإبراز معاناتها والاحتجاج على أوضاعها المعيشية والسياسية، وهذا أمر لا جدال فيه، غير أن أي دعوة سياسية لحراك ثوري في ظل الواقع الخاص الذي يعيشه القطاع، لا يمكن فصلها عن السياق الذي تنشأ فيه، ولا عن القوى التي قد تحصد النتائج المباشرة وغير المباشرة له. وفي قطاع غزة، الذي يعيش واحدة من أكثر المراحل مأساوية في تاريخه المعاصر، حيث تتواصل حرب الإبادة والتدمير والتجويع، ويتصاعد خطر التهجير، يبرز السؤال الجوهري التالي: هل هذه الدعوة تشكل أولوية وطنية في هذه اللحظة الحاسمة؟ أم أنها تُسهم في تحويل بوصلة الصراع بعيدًا عن مصدر العدوان الأساسي؟ إن أخطر ما في هذه الدعوة ليس مضمونها المُعلن فحسب، بل ما قد يختبئ خلفها من أهداف سياسية غير معلنة؛ فعندما يتم اختزال مأساة غزة المركبة في أزمة حكم داخلية فقط، وتجاهل حقيقة أن القطاع يتعرض لحرب إبادة وتدمير ممنهج، فإن ذلك يفضي عمليًا إلى إعادة تعريف المشكلة الوطنية بصورة تخدم الرواية الإسرائيلية التي تسعى إلى إخفاء مسؤوليتها، عن الكارثة الإنسانية والسياسية التي يعيشها الشعب الفلسطيني. كما أن توقيت الدعوة يثير تساؤلات مشروعة؛ إذ إن الاحتلال سعى طوال سنوات الحرب إلى إحداث شرخ داخلي فلسطيني وإثارة صراعات جانبية تُضعف حالة الصمود الوطني. ومن هنا فإن أي حراك لا يضع أولوية مواجهة الإبادة والعدوان وإنهاء الاحتلال في صدارة أهدافه سيتحول بالضرورة إلى عامل إضافي في تعميق الانقسام وإضعاف الجبهة الداخلية، ليس هذا فحسب، بل وفتح الباب لزيادة الاحتقان/الاحتراب المجتمعي في وقت يحتاج فيه الشعب الفلسطيني إلى أعلى درجات التماسك والتضامن والوحدة. إن هذا الموقف من الدعوة المشبوهة، لا يُقفل الباب بالمطلق أمام ضرورة النقد أو المحاسبة أو النقاش حول الأداء السياسي والاجتماعي للقوى الفلسطينية بمختلف مسمياتها، وصولًا إلى ضرورة المراجعة الوطنية الشاملة، وهذا يحتاج إلى جهد وطني جماعي منظم، قائم على التفريق الواضح بين ممارسة النقد الوطني الجرئ والمسؤول وبين الانزلاق إلى معارك داخلية في لحظة يخوض فيها الشعب الفلسطيني معركة وجودية مفتوحة بكل ما تعنيه الكلمة. إن أي قراءة واقعية للمشهد في قطاع غزة تُبيّن أن الأولوية الملحة القائمة، تتمثل في وقف الحرب والانسحاب ورفع الحصار، وتأمين الغذاء والماء والدواء والمأوى والاحتياجات الضرورية للبقاء، وحماية ما تبقى من النسيج الاجتماعي والوطني. وفي ظل هذه الظروف، تبدو الدعوات إلى مواجهات داخلية أو صراعات سياسية جانبية وكأنها تنقل مركز الاهتمام من مواجهة الإبادة والعدوان إلى إعادة ترتيب موازين القوى الفلسطينية الداخلية، بما يمنح الاحتلال مكاسب سياسية عجز عن تحقيقها بالقوة العسكرية. وفي ظل الظرف الاستثنائي القائم، يبقى المعيار الوطني الحاكم لأي دعوة أو حراك/ثورة هو الإجابة عن سؤال بسيط: هل تقرّب هذه الخطوة الشعب الفلسطيني من إنهاء الإبادة والعدوان ومن تحقيق مطالبه السياسية والإنسانية؟ أم أنها تفتح أبوابًا جديدة للصراع الداخلي وتشتت الجهد الوطني عن معركته الأساسية؟