Homelander.. حقيقي وموجود وهو يحكم العالم هوم لاندر في البيت الابيض.
احمد المحمود
في عام 2019، أحدث مسلسل the boys ضجة كبيرة فور صدور موسمه الأول آنذاك. وذلك لأنه تميّز بِقلبِه مفهوم "الابطال الخارقين" رأسا على عقب. لطالما تمّ تقديم لنا نموذح الأبطال الخارقين أمثال الرجل العنكبوت، صاحب أحد أهم المقولات في عالم الأبطال، "مع القوة العظيمة تأتي مسؤليات عظيمة". بالاضافة الي سوبرمان الذي يُعدّ رمزًا للأمل والطيبة، إلى جانبه الرجل الوطواط الذي يشتهر بقانون "عدم القتل" ومقولته "ان قتلت مجرم فان عدد المجرمين لن يقل". ولكن مسلسل the boys جاء كطرحٍ لسؤالٍ واحدٍ بسيط؛ ماذا لو لم يكن هؤلاء الابطال الخارقين ابطالًا بحقّ؟ ماذا لو كانوا مجرد "أوغاد" يمتلكون قوىً خارقة؟ تدور أحداث المسلسل في عالمٍ موازٍ، حيث تمتلك شركة فوت "vought" القدرة على منح الاشخاص العاديين قوة خارقة. تنشأ فرقة "السبعة"، والتي هي بمثابة مرآة لفرقة العدالة الشهيرة في عالم دي سي. لكن المفارقة تكمن في أن هؤلاء الابطال المُنتجين بعيدين كل البعد عن كونهم ابطالًا. فهم يرتكبون مختلف الأفعال الدنيئة والشريرة. مع ذلك، فإنهم يظهرون دائما للجمهور بأفضل صورة وتصوير ممكن بفضل القوة الإعلامية والسياسية. يركز المسلسل بشكل خاص على شخصية هوم لاندر، الذي هو انعكاس لشخصية سوبرمان، فكلاهما يمتلكان قوّة خارقة جبّارة، قدرة على الطيران واطلاق شعاع الليزر من أعينهما. إلّا أن هوم لاندر لا يمتلك المبادئ والاخلاق التي اشتهر بها سوبرمان وذلك لكونه شخصية نرجسية لا تأبه بشيء غير نفسها و تتمتع بالكثير من العقد النفسية. كما انه قد يقدم على قتل اي احد وفي اي وقت بسهولة تامّة إن أراد ذلك. ولهذا فإنّ كل من حوله يخشونه وينفذون كل ما يريد. في المقابل، هناك مجموعة تحاول القضاء عليه لكنها بطبيعة الحال ليست أكثر اتزانًا. مسلسل The Boys مقتبس عن القصص المصورة "الكومكس" التي انطلقت عام 2006 وتحمل الاسم ذاته، من تأليف ورسم كل من Garth Ennis و Darick Robertson. المسلسل والكومكس معًا يهاجمان بشكل واضح الواقع الذي نعيشه، الشركات الرأسمالية، السلطة وغيرها من المواضيع الإجتماعية. كما أنه يظهر استنادًا واضحًا لنظريات فلسفية ومقتبسات عن "آلان مور" وغيره في كلٍ من المسلسل والقصص المصورة. يطرح العمل احد أهم الأسئلة: ماذا لو امتلك أحدنا قوة عُظمة والقدرة على استخدامها كما يحلو له دون حسيب او رقيب؟ في الموسم الاخير من السلسل والذي صدر هذه السنة "2026"، يرى هوم لاندر رؤية او هلوسة، تخبره بأنه من المُقدّر له ان يكون "اله" فيقرر تنفيذ هذه "الرؤية". في العمل، لم يكن هذا الحدث هو المشكلة وذلك لأنه تم تقديم هذه الشخصية على أنها شخصية شريرة ومجنونة، من الممكن توقع اي شيء منها، حتى ادعاء الأولهية. المشكلة كانت تكمن في من حوله. لا أحد من "الابطال الخارقين" أو الفريق الاعلامي ولا حتى "رئيس" الولايات المتحدة تجرأ على معارضة أو رفض هذا الإدّعاء، بل تمّت تنظيم حملات اعلامية وبناء كنيسة جديدة تحت هذا المسمّى. بالاضافة إلى قمع وتهتيك من هم معادين لهوم لاندر ولا "يؤمنون به". بالعودة إلى واقعنا، لا يمكننا التغافل عن الشبه بين هوم لاندر ورئيس الولايات المتحدة الحالي دونالد ترامب. فتشاء الصدف، بعد عرض الحلقة التي يرى فيها هوم لاندر هذه "الرؤية"، أن ينشر ترامب بعد اسبوع تقريبا صورة مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي لنفسه يرتدي رداءً أبيض ويضع يده على رأس رجل في مشهد يُحاكي الشفاء، اي سيدنا المسيح. ليحذفها بعد ردود فعل غاضبة. ردّ ايريك كريبكي، كاتب ومنتج المسلسل على هذا التزامن بجملة واحدة فقط: "ردّ فعلي الأول هو أنني متعب فقط". عندما يخرج صانع هكذا عمل ليقول بأنه متعب من رؤية كتاباته الديستوبية تتحول إلى واقع، فهذا يعني أن المسافة بين الخيال والواقع انهارت. في الموسمين الثالث والرابع، نجاة هوم لاندر المتكررة بعد تعرضه لأيّ أذىً، يصبح الامر وكأنه برهان على وجود قوة غير بشرية او إرادة كونية تريد ان تحميه. هذا بالظبط ما حصل مع الرئيس الاميركي، في يوليو 2024. في خطابه الافتتاحي حيث قال ترامب: "شعرت حينها وأؤمن الآن أكثر من ذي قبل بأن حياتي أُنقذت لسبب. لقد أنقذني الله لأجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى ". السياسيون المحيطون به صبّوا هذه الرواية بسرعة مذهلة.ريك بيري،و هو سياسي أمريكي جمهوري بارز، وصفه بـ"المختار من قِبَل الله" في مقابلة مع فوكس نيوز. وبعد محاولة الاغتيال الأخيرة، قال زعيم الأغلبية في مجلس النواب ستيف سكالزي"كانت هناك معجزات، وأعتقد أن يد الله كانت هناك أيضاً". هذا ليس مجرد تلاعب سياسي. إنه تحوّل بنيوي في نوع الشرعية المطلوبة؛ من الشرعية الديمقراطية (أصوات الناس) إلى الشرعية الدينية. فيعيش هوملاندر التحول نفسه بالضبط، حين يقرر أن الانتخابات لا تكفيه، وأن المحبة التي يريدها ليست محبة مواطن لزعيم، بل محبة مؤمن لإله. وهنا علينا ان ندرك ان ما يجعل الشخصيتين مرعبتين ليس طموحهما الشخصي، بل للطريقة التي يتفاعل بها الجمهور معهما. كريبكي أوضح أن هوم لاندر يبحث عن المقود لإيقاف ادعائه بالألوهية، لكنه لا يجد واحداً. "قول إنك إله سيكون صعباً. لكن كنبيّ؟ ربما؟" لكن هذا لا يكفيه. لا شيء يكفيه. لا شيء على الإطلاق." القائد الذي يختبر حدود جمهوره باستمرار ويجد أنهم يتبعونه دائماً، وهذا بالضبط ما تحدثت عنه المنظرة السياسية الامريكية الالمانية حنة ارنت في "أصول التوتاليتارية" قبل ثمانين عاماً، حيث قالت إن السلطة الشمولية لا تبدأ بقائد يُطيع الجماهير ولا بجماهير تُطيع قائداً بل بعلاقة تغذية متبادلة يصعب بعدها تحديد من يقود من. نحن نعي تمامًا ان دونالد ترمب لا يسعى لان يكون اله كما كان يسعى هوم لاندر، هو لا يذهب للكنيسة بانتظام، وسبق أن أخطأ في ذكر لفظ آية في الإنجيل. ولكن استخدامه للدين بالاضافة للدعم الجماهيري وامتلاكه القوة الزائدة وعدم وجود من يوقفه او يمنعه ، كل هذه العوامل جعلت المقاربة جائزة. فهو بكل وضوح يقول "السلام بالقوة". كما أنه تجرأ وقال انه سيمحي حضارة ايران باكلمها. وهو الشيء نفسه الذي فعله المهاجرون الاوروبيون مع السكان الاصليين لقارة اميركا. حيث شرعوا الإبادات التي ارتكبوها باسم الدين. كما يفعل الكيان الصهيوني المحتل في فلسطين ولبنان فيستعمل بدوام عبارة "شعب الله المختار". وكما اتهم هوم لاندر وفريقه أي أحد يحاول ايقافه بال"شيطنة"، نجد على المقلب الآخر فعلًا مشابهًا لناحية المقاومين والذين يرفضون سياسة الطغاة ويقولون "لا" .هذا الهجوم الذي نشاهده عبر وسائل الاعلام الامريكية او الصهيونة وعبر الكثير من القناوات التي يفترض ان تكون عربية وذلك لأنهم يخشونه و يخشون على مصالحهم التي يتحكم بها، فيخضعون له ببساطة. وهنا علينا ايضا ان نستذكر النهاية المذلة التي ألمّت بشخصية هوملاندر، وكيف ظهر امام الجميع بأكثر صورة ضعيفة ومذلة بعد أن سبق ونصّب نفسه إلهًا على الجميع . فهل ستكون هذه هي نهاية من ينصب نفسه حاكمًا على العالم؟ ويا ترى كيف ستكون نهاية أتباعه؟