الثوري الأخير

الثوري الأخير

محمد خالد | كاتب عربي

في كتابه "إن مع الصّبر نصرًا"، يروي سماحة السيد علي الخامنئي مشاعره، عندما ورده خبر رحيل الزعيم جمال عبد الناصر، وهو معتقل، فيقول: "بعد مضي أسبوعين على سجني، سمعت أحد العرفاء المسجونين ينادي في السجن البشارة.. البشارة.. مات عبد الناصر. كان وقع النبأ عليّ مؤلماً جدًّا. وهنا لا بد من الإشارة إلى مفارقة عشتها وعاشها الإسلاميون المناضلون في إيران، وهي تعاطفنا الشديد مع «سيد قطب» وفكره الحركي وتعاطفنا أيضاً مع قاتله «جمال عبد الناصر». لقد بكيت عند سماع خبر إعدام سيد قطب، وبكيت أيضاً لدى سماعي نبأ موت عبد الناصر.

ويتابع: "كنا نشعر بالعزّة حين نسمع عبد الناصر يتحدى
كلّ طواغيت العالم، ونتلهف لاستماع خطاباته من صوت العرب». كنا ننشدّ لكل خطوة عملية تستهدف التحرر من نير السيطرة الاستعمارية البغيضة على العالم الإسلامي؛ بل على العالم الثالث بأجمعه. ومن هنا، كنا متعاطفين أيضاً مع كل الثورات في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
أذكر أني حين سمعت نبأ قيام الثورة الليبية بادرت إلى تأييدها فوراً على المنبر في إحدى خطبي وباركت للثوار تحريرهم ليبيا من حكومة من أسميته «إبليس» بدل كلمة «إدريس». أضف إلى ذلك كله أن اسم عبد الناصر كان في أذهاننا مقترناً بعزة إخواننا العرب المسلمين وصمودهم ومقاومتهم أمام القوى الصهيونية والرجعية في المنطقة. رغم أنّنا كنا نتألم من نهجه الذي دفعه إلى الاصطدام بالإسلاميين. وبالمناسبة فإنّ إعلام الشاه كان معباً على خلق روح عدائية في إيران تجاه عبد الناصر."

ربما تكشف الحكاية السابقة جانبا من شخصية الإمام القائد الفريدة، المفرطة في الثّورية المبدئية، التي تتعاطى مع الخلاف الأيديولوجي بأريحية مطلقة، وهو رغم ذلك كان معروفا بالتزامه الشديد بما يؤمن به من مبادئ، انعكست على مسيرته الثريّة.

تلك الثّورية أهّلته أن يعتقل ست مرات، وينفى ثلاث سنوات، بما فيها من تعذيب وضرب وظروف فقر مدقع، دون أن تضعفه أو تغيّر من مبادئه وقناعاته؛ فيتقدم صفوف الثوار تارة، ويحمل السلاح تارة أخرى، ويقف بينهما في الناس خطيبا وإماما واعظا؛ فيصبح أهلا بعدها ليكون رئيس الجمهورية الإسلاميّة بين عامي 1981 و1989، في أحلك فترة لها خلال الحرب مع العراق، ثم قائدا للثورة من 1989 حتى استشهاده أول أمس.

ثوريّة تركت أثرها في يده اليمنى المعطّلة ماديّا، في محاولة اغتيال تعرض لها أثناء إلقاء خطاب له أول ثمانينيات القرن الماضي، أصر خلالها على إكمال خطابه أمام النّاس، واستمرت يمينه تجود بالعطاء على كل مستضعف ومقهور، وتنصر كل صاحب حق.

هي ثوريّة لم تمنع عنه الورع والتقوى والحكمة، وزادت في سعة معرفته ومطالعته، وأسلوب حديثه وطريقة كتابته المحببتين إلى النّفس، وترجمها في كتبه العديدة.

عداؤه الأصيل لقوى الاستكبار والصهيونية، جعل منه الثوري الأخير، والقائد الوحيد الذي لا يعترف النظام السياسي لدولته بـ "اسرائيل" ، ولا يتبنى أي قرار له علاقة بأوهام حل الدولتين وما دونه. تلك مسيرة يليق بها مقام القتل في سبيل الله.

آية الله، السيّد علي بن جواد بن حسين بن محمد بن محمد تقي بن ميرزا علي أكبر بن فخر الدين بن ظهير الدين بن قطب الدين بن روح الله بن رضا بن جلال بن بايزيد بن بابا هاشم محمد بن حسن بن حسين بن محمود بن نجم الدين بن مجد الدين بن فتح الله بن روح الله بن عبد الله بن صمد بن عبد المجيد بن شريف الدين بن عبد الفتاح بن مير علي الثالث بن مير علي الثاني بن مير علي بن أحمد بن محمد المدائني بن الحسن بن الحسين بن الحسن الأفطس بن علي الأصغر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، شهيدًا عظيمًا على نهج أجداده.

وداعًا يا سيّد..