غسان كنفاني: الحكاية إذ تشتبك مع الوجود والوعي

غسان كنفاني: الحكاية إذ تشتبك مع الوجود والوعي

هيثم رمزي | ناشط طلابي

في ذكراه الرابعة والخمسين، لا يزال الشهيد غسان كنفاني يقف هناك، عند الحافة الحادة بين الكلمة والدم، يذكرنا بأن الكتابة لم تكن يوماً ترفاً، بل يقين مشتعل في داخل الأحرار، لم يكن غسان مجرد أديب صاغ الكلمة، بل كان هو الكلمة ذاتها حين تتحول من حبر على ورق إلى موقف يشتبك مع العدو.

الكلمة عنده لم تكن بحثاً عن تصفيق عابر في صالونات الأدب، بل كانت محاولة واعية لتفكيك بنية الهزيمة وإعادة بناء الوعي، كان يدرك بعمق مبضع الجرّاح الفارق الهائل بين "أن تتكلم" وبين "أن يصل صوتك نقياً دون تزييف"، ولذلك ظل حريصاً على تحصين الوعي من الاختراق، مدركاً أن الميدان الذي يختاره المرء لقول الحقيقة لا يقل أهمية عن الحقيقة نفسها، وفي هذا السياق، تبرز رؤيته العميقة والمبكرة التي تلخص فهمه في المواجهة، حيث كان يرى أنه:

" معركتنا الإعلامية لا تحقق انتصاراً إذا ما جرى خوضها من خلال المبارزة الكلامية مع العدو أمام رأي عام منحاز في مجمله، وعلى شبكات إذاعية وتلفزيونية تقف جوهرياً ضد قضايانا."

هذه الكلمات التي قالها غسان لم تكن مجرد تحليل سياسي عابر، بل كانت رؤية تؤسس لمفهوم "المواجهة بكافة الطرق"

كان كنفاني يؤمن بأن القبول باللعب في ملاعب صيغت قوانينها لإدانتك مسبقاً هو أولى خطوات الهزيمة. بالنسبة إليه، الإعلام ليس مجرد "منبر"، بل هو بنية القوة؛ والمبارزة الكلامية على شاشات يملكها الخصم ليست سوى فخ لاستنزاف الحقيقة وتحويل القضية العادلة إلى مجرد "وجهة نظر" قابلة للنقاش والتفنيد.

من هنا، لم يقتصر أثر غسان على جيله الذي عاصره، بل تحوّل إلى شعلة عابرة للأزمنة، ليصبح الملهم الأول والبوصلة الهادية لهذا الجيل الحالي وبقية الأجيال التي ولدت بعد غيابه الجسدي، إن الجيل الجديد اليوم، وهو يخوض معاركه الوجودية والفكرية والإعلامية، يجد في كلمات غسان مادة حية تشرح له الواقع وكأنه كُتبت بالأمس. لقد تجاوز غسان بفكره حدود اللحظة التاريخية ليتحول إلى مرجعية ثورية تلهم كل من يرفض تدجين الوعي أو تزييف الهوية، معلماً الأجيال المتلاحقة أن الإرث الحقيقي لا يُقاس بالسنوات، بل بمدى قدرة الفكرة على الصمود وتوليد الثورة في نفوس الحالمين بالحرية.

خمسة وأربعة عقود مرت، والرجال الذين يموتون ولا يدقون جدران الخزان لا يزالون يطاردون وعينا، غسان لم يرحل؛ لقد تشتت جسده ليتوزع على شكل أفكار ونصوص ترفض المساومة وتتوارثها الأجيال كابراً عن كاب، علمنا أن الحبر إذا لم يملك كبرياء الرصاص يتحول إلى ماء، وأن الأدب الحقيقي هو ذلك الذي يعيد صياغة الوعي الجمعي بعيداً عن إملاءات المنابر المنحازة، في ذكرى استشهاده، لا نبكيه، بل نقرأه كمن يقرأ خريطة الأجيال الثائرة؛ خريطة تخبرنا أن الانتصار يبدأ أولاً بامتلاكنا لصوتنا، ومنبرنا، وروايتنا المستقلة.