في الرد على راقص الدبابة الأمريكية والحدّ الأدنى الأخلاقي
صادق العربي
كاتب و باحث
لم يكن الخلاف بين التيار القومي العربي ومنصف المرزوقي يومًا خلاف فكريا، ولا نتيجة تباين في تعريف الديمقراطية أو حقوق الإنسان. المسألة أخلاقية: خلاف على الحدّ الأدنى الأخلاقي للعمل السياسي في دول مكسورة السيادة.
و معه سؤال مركزي: هل يجوز الاستقواء بالخارج في الصراع السياسي الداخلي؟
القوميون العرب لا يدّعون العصمة، ولا ينفون أنهم حكموا في محطات كانوا مسؤولين فيها عن أخطاء وأخفاقات. لكنهم يضعون خطًا فاصلًا واضحًا و سيفا على أنفسهم قبل أن يكون علي غيرهم: الخطأ الداخلي، مهما كان جسيمًا، لا يبرر تسليم البلد للخارج، ولا استدعاء التدخل الأجنبي بوصفه أداة تغيير. عند هذه النقطة تحديدًا يبدأ السقوط الاخلاقي لمنصف المرزوقي و من هم على شاكلته.
في مقاله، يحاول المرزوقي نقل النقاش إلى مستوى تجريدي، مستخدمًا ثنائية “الشرط الضروري” و”الشرط الكافي”، في محاولة لإظهار القوميين كتيار يبرر الاستبداد ما دام يرفع شعار العداء للإمبريالية. هذا الطرح يتجاهل جوهر الاعتراض. القضية ليست في الدفاع عن أنظمة، بل في رفض تحويل الخارج إلى حكم ومرجعية، ورفض التعامل مع السيادة كمسألة قابلة للاختلاف حولها.
المرزوقي ليس ساقطا أخلاقيا لأنه دعا إلى الديمقراطية، بل لأنه ربطها عمليًا بالتموضع الخارجي. كان من أبرز من بشّروا بما سُمّي “الثورة” في ليبيا، ثم انتهت البلاد إلى كيان مفكك، تحكمه الميليشيات، وتتنازعه القوى الإقليمية والدولية، بلا دولة ولا أفق سياسي. ومع ذلك، لم تترافق هذه النتيجة مع مراجعة سياسية حقيقية، بل مع استمرار الخطاب نفسه، وكأن الانهيار تفصيل لا يمسّ الخيار، و أن الديمقراطية التي يدعى الدفاع عنها من أجل الإنسان لم تحمل معها قتلا لعشرات الالاف و تشريدا لملايين البشر.
في المقابل، تظهر الانتقائية بوضوح حين يتعلّق الأمر بالحلفاء. فالمرزوقي، الذي لا يتردد في توصيف أنظمة عربية معينة بالاستبداد، يصمت تمامًا و هو راكع عند قدمي النظامين المغربي والقطري. هناك، تختفي لغة الحقوق، ويتراجع خطاب الديمقراطية، ويُستبدل النقد بالصمت و التبرير. لا استبداد يُرى، ولا اعتقال سياسي، ولا نظم حكم مغلقة على العائلة. الصمت هنا ليس حيادًا، بل موقف سياسي كامل.
هذه الازدواجية ليست عارضة، بل جزء من بنية الخطاب والممارسة. فالاستبداد، في منطق المرزوقي، ليس مسألة مبدئية، بل ملف انتقائي، يُستخدم أو يُهمَل بحسب موقع النظام من الاصطفاف الإقليمي والدولي. عند هذه النقطة، لا يعود النقاش فكريًا، بل يتعلق بـالدور والوظيفة.
من هنا، ينظر القوميون إلى مسار منصف المرزوقي بوصفه انخراطا واعيا في منظومة نفوذ خارجية، جرى التعامل معه داخلها كواجهة سياسية ناعمة. ليست المسألة رأيًا أخطأ، بل مسارًا من التنظير للاستقواء بالاجنبي و تسليم البلاد
كثيرة هي ارتباطات المرزوقي العلنية المشبوهة و منها مثلا علاقته بتنظيم مجاهدي خلق، المعروف بوظيفته في الصراعات الإقليمية والدولية و بكونه أداة رخيصة و معلنا في يد أجهزة الموساد و المخابرات المركزية الأمريكية. هذا التموضع لا يمكن تفسيره بسوء تقدير، بل بقبول واعٍ بالعمل داخل شبكة اصطفاف تتقاطع مصالحها مع مشاريع تفكيك المنطقة.
ولا ينفصل ذلك عن الاحتضان الفرنسي المستمر، الذي وفّر للمرزوقي منصات ومساحات سياسية وإعلامية، في مرحلة كانت فيها ليبيا وسوريا والمنطقة تخضع لإعادة رسم قاسية. فرنسا هنا ليست وسيطًا محايدًا، بل دولة ذات تاريخ استعماري مباشر ومصالح حاضرة. التماهي مع هذا الفضاء يقدم القرينة بعد الأخرى عن خيار المرزوقي الواعي للسقوط الاخلاقي.
في هذا السياق، تفقد لغة التفوق الأخلاقي معناها. فمن يجعل حقوق الإنسان انتقائية، والديمقراطية مشروطة بالتحالفات، والسيادة تفصيلًا مؤجلًا، ليس إلا بيدقا لدي ضابط ما جالس في مكتبه في أحد العواصم التي يراها المرزوقي أقرب إليه من تونس.
و هو بيدق يؤدي وظيفة سياسية محددة: يهاجم هنا، يصمت هناك، يشرعن التدخل، ويمنح الغزو لغة مخففة، كأن يصير مثلا تدمير الدول و استدعاء الاجنبي شيئا يقال عنه أنه ثورة.
في المقابل، لا يقدم القوميون العرب نفسهم على أنهم تيار منزّه عن الخطأ، لكنهم يتمسكون بقاعدة واحدة: المعارضة تُمارَس داخل الوطن، لا عبر السفارات، والإصلاح لا يُبنى فوق أنقاض الدولة.و لا حرية بلا سيادة، ولا ديمقراطية تُفرض من الخارج.
يا منصف، نحن ننبذ من يستقوى على أخيه بالعدو، أيا كان خلافه مع اخيه، نتربي على هاته الفكرة و يكبر في نفوسنا هذا الكره، نحن نكره الذين يتلذذون بإستجلاب الأجنبي، نحتقرهم و نعلم جيدا أن التاريخ سيلعنهم و كذلك نفعل نحن.