في ذكرى ثورة الفاتح: هل بقي من الإرث شيء؟

في ذكرى ثورة الفاتح: هل بقي من الإرث شيء؟
نذير محمد باحث علوم سياسية

في كل ذكرى لثورة الفاتح من سبتمبر، يعود السؤال نفسه، وإن اختلفت صياغاته: ماذا بقي من ذلك المشروع بعد أن سقط النظام الذي حمله أكثر من أربعة عقود؟ وهل انتهت التجربة الليبية بانهيار الجماهيرية سنة 2011، أم أن بعض أفكارها وتحولاتها ما زالت حاضرة في المجتمع والدولة والذاكرة الليبية؟ السؤال هنا لا يفترض مسبقًا أن تجربة الفاتح كانت نجاحًا، كما لا يفترض أنها كانت فشلًا كاملًا؛ فالقراءة الجادة للتاريخ لا تقوم على تمجيد الماضي ولا على محاكمته بأحكام جاهزة، وإنما على تفكيك التجربة: ما الذي أرادت أن تغيره؟ ما المشروع الذي قدمته؟ أين نجحت؟ أين أخفقت؟ وما الذي بقي منها بعد سقوطها؟ أولًا: ما الذي كانت عليه ثورة الفاتح؟ جاءت حركة الفاتح في الأول من سبتمبر 1969 في سياق عربي ودولي كانت فيه أفكار التحرر الوطني والقومية العربية والاستقلال الاقتصادي والسياسي في صعود، وكان النظام الملكي الليبي، رغم اختلاف تقييم تجربته، يعيش في ظل ارتباط وثيق بالقوى الغربية ووجود قواعد عسكرية أجنبية، فيما كانت المنطقة العربية تتأثر بموجة الانقلابات والثورات المناهضة للاستعمار. ومن الناحية الشكلية، كانت بداية الفاتح انقلابًا عسكريًا قادته مجموعة من الضباط الأحرار، لكن اختزالها في لحظة الاستيلاء على السلطة لا يفسر ما حدث بعدها؛ فقد تحولت الحركة العسكرية تدريجيًا إلى مشروع سياسي واجتماعي حاول إعادة صياغة الدولة والمجتمع والاقتصاد الليبي. وهنا تبرز المسألة الأولى: هل كانت الفاتح انقلابًا أم ثورة؟ ربما يكون الأدق التمييز بين طريقة الوصول إلى السلطة وبين طبيعة التحولات التي أعقبتها؛ فقد كانت طريقة الوصول إلى الحكم انقلابية، لكن النظام الجديد لم يكتف بتغيير رأس الدولة، بل شرع في إعادة بناء النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي على أسس مختلفة. وعلى هذا الأساس، يمكن قراءة ما حدث في الأول من سبتمبر 1969 في ضوء مفهوم الثورة السلبية (أو الثورة الكامنة) عند أنطونيو ڨرامشي، باعتباره تحولًا سياسيًا أعاد تشكيل بنية الدولة وموازين القوى استجابةً لتناقضات اجتماعية وسياسية متراكمة، دون أن يكون هذا التحول نتاجًا لحركة جماهيرية منظمة قادت عملية ثورية من أسفل؛ وهو ما يجعل التجربة قابلة للتحليل بوصفها عملية إعادة تشكيل للهيمنة أكثر من كونها مجرد استيلاء على السلطة. ثانيًا: طبيعة المشروع كان مشروع الفاتح متعدد الأبعاد؛ فمن الناحية السياسية، بدأ بإقامة الجمهورية، ثم تطور لاحقًا إلى نموذج الجماهيرية، الذي طرح مفهوم "سلطة الشعب" بديلاً عن الديمقراطية التمثيلية والحزبية التقليدية. وبحسب التصور الذي قدمه النظام، لم يعد الشعب يمارس السلطة عبر نواب ينتخبهم ثم يفوضهم بالحكم، بل عبر المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية، وكانت هذه الفكرة تمثل محاولة لبناء نموذج مختلف للديمقراطية، يقوم على المشاركة المباشرة بدل الوساطة السياسية. أما اقتصاديًا واجتماعيًا، فقد اتجه المشروع إلى توسيع دور الدولة في الاقتصاد وإعادة توزيع الثروة، مستفيدًا من العائدات النفطية، وشهدت ليبيا تحولات كبيرة في مجالات التعليم والصحة والإسكان والبنية التحتية، وأصبح النفط أداة لتمويل مشروع واسع لإعادة تشكيل المجتمع. أما فكريًا، فقد سعى العقيد القذافي إلى تقديم إطار عُرف لاحقًا بـ"النظرية الثالثة العالمية". ولم يكن المشروع محصورًا داخل الحدود الليبية؛ فقد حمل منذ بدايته خطابًا وحدويًا عربيًا، ثم اتسع لاحقًا ليعطي أفريقيا مكانة مركزية في السياسة الخارجية الليبية، إلى جانب دعم حركات التحرر ومواقف شديدة الاستقلالية عن القوى الكبرى (على رأسها الامبريالية الأمريكية). ثالثًا: حدود المشروع ومفارقة التطبيق لكن هنا تبدأ المشكلة الأساسية. فالمشروع الذي تحدث عن سلطة الشعب واجه تناقضًا عميقًا بين النظرية والممارسة؛ فإذا كانت السلطة للشعب، فلماذا ظلت السلطة الفعلية مرتبطة بصورة شديدة بالعقيد الشهيد معمر القذافي (كرمز) ومراكز القوة المحيطة به؟ هذه المفارقة لا يمكن تجاوزها. فالمؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية كانت جزءًا من البناء الرسمي للنظام، لكن وجود المؤسسات الشعبية لم يعنِ بالضرورة امتلاكها للسيادة الفعلية على القرار السياسي والأمني، ولم تكن المشكلة سياسية فقط؛ فقد أدى تداخل الثورة بالدولة إلى إضعاف الحدود بين المؤسسات الرسمية والتنظيمات الثورية، وبين الدولة ومشروعها الأيديولوجي، ومع مرور الوقت، أصبحت استمرارية النظام مرتبطة باستمرارية قائده حصرًا. كما تكمن المفارقة أيضًا في أن غياب التنظيم السياسي أو الحزب، نتيجة موقف النظام المناهض لمفهوم الحزبية، والذي عبّر عنه الشعار القائل "من تحزّب خان"، لم يؤدِّ إلى إلغاء التنظيم السياسي، بل سرعان ما تحولت اللجان الثورية عمليًا إلى أطر تنظيمية شبيهة بالأحزاب، بل اتسمت في بعض جوانبها بقدر أكبر من الجمود والتنظيم الهرمي. وفي خضم هذا التحول، برزت داخل هذه الأطر فئة اجتماعية لم تكن بالضرورة معنية بالخطاب الثوري أو بالمشروع السياسي للنظام بقدر ارتباطها بالمصالح المادية ومواقع النفوذ التي أتاحتها لها بنية الدولة. وقد أخذت هذه الفئة، مع مرور الوقت، طابعًا كمبرادوريًا جديدًا، إذ اضطلعت بدور الوسيط بين الدولة والاقتصاد الخارجي، واستفادت من علاقاتها بشبكات رأس المال والمصالح الدولية، بما جعل مصالحها تتقاطع بصورة متزايدة مع قوى خارج البنية السياسية الرسمية. وأدى صعود هذه الفئة إلى إنتاج تناقضات مزدوجة: تناقض بين الدولة والمجتمع من جهة، وتناقضات داخل الدولة نفسها من جهة أخرى، وهو ما يفسر، إلى حدٍّ ما، انخراط عدد من المسؤولين المحسوبين على هذه الفئة في الصفوف الأولى من المنشقين عن النظام عند اندلاع الحرب على الجماهيرية، إذ عكست مواقفهم انتقال مصالح قطاعات من النخبة الحاكمة من الارتباط بالنظام إلى البحث عن موقع داخل الترتيبات السياسية والاقتصادية التي أخذت تتشكل بعده. وهذا من أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من التجربة: أي مشروع سياسي، مهما كانت شعاراته الاجتماعية أو الديمقراطية، يصبح هشًا عندما لا يستطيع بناء مؤسسات قادرة على الاستمرار خارج إرادة الشخص الذي أسسه. رابعًا: ماذا بقي بعد 2011؟ سقوط النظام سنة 2011 لم يؤدِ إلى اختفاء كل آثار المرحلة السابقة. فالأنظمة السياسية قد تسقط بسرعة، لكن آثارها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية تحتاج إلى أجيال حتى تتغير، وما زالت ليبيا تحمل آثار عقود من سياسات الدولة المركزية، والاعتماد على النفط، وشبكة الخدمات العامة، والعلاقة الخاصة بين الدولة والمواطن. كما أن الذاكرة تجاه تلك المرحلة لم تكن موحدة. هناك من يرى في سنوات الفاتح مرحلة استبداد وقمع وإلغاء للحريات، وهي ذاكرة لا يمكن تجاهلها أو تبريرها، وهناك، في المقابل، من يتذكر مرحلة اتسعت فيها الخدمات العامة وتحسنت فيها مستويات المعيشة مقارنة بما سبقها، أو يرى في السياسة الخارجية الليبية آنذاك قدرًا أكبر من الاستقلال عن القوى الدولية. لكن المؤكد أن الوضع الليبي منذ عام 2011 مرّ بمسار متواصل من التفكك السياسي والمؤسسي والأمني؛ فقد أدى سقوط نظام الجماهيرية إلى انهيار مركز السلطة دون أن تتمكن القوى الانتقالية من إعادة بناء مؤسسات دولة موحدة قادرة على احتكار القوة. ومع إجراء انتخابات وتشكيل مؤسسات جديدة، استمرت الانقسامات السياسية وانتشار الجماعات المسلحة، لتتحول الأزمة منذ 2014 إلى انقسام مؤسسي وصراع مسلح بين مراكز قوى متنافسة في شرق البلاد وغربها. ورغم توقيع الاتفاق السياسي الليبي في الصخيرات سنة 2015 وتشكيل حكومة الوفاق الوطني سنة 2016، لم تنجح هذه الترتيبات في إنهاء الانقسام، الذي تعمق لاحقًا مع هجوم قوات خليفة حفتر على طرابلس عام 2019، ثم تراجع حدّة الصراع العسكري بعد اتفاق وقف إطلاق النار سنة 2020. غير أن المسار السياسي ظل متعثرًا، ولا سيما بعد تعذر إجراء الانتخابات الوطنية المقررة في ديسمبر 2021، وعودة الانقسام الحكومي منذ 2022 بين حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس وحكومة موازية في الشرق مدعومة من مجلس النواب وقوات خليفة حفتر. وبحلول عام 2026، لا تزال ليبيا تعاني من انقسام مؤسسي وسياسي، وتعدد مراكز القوة المسلحة، وتدخلات خارجية، ومشكلات اقتصادية وأمنية متراكمة، رغم بعض محاولات التقارب بين المؤسسات المتنافسة؛ وهو ما يجعل مرحلة ما بعد 2011 أقرب إلى أزمة ممتدة لإعادة بناء الدولة منها إلى انتقال سياسي مكتمل. كما أن، وفي خضم هذا المشهد السياسي والأمني المضطرب، برز سيف الإسلام القذافي، نجل العقيد معمر القذافي، بوصفه أحد أبرز البدائل السياسية الرمزية التي ظهرت في ليبيا بعد 2011، ولا سيما بالنسبة إلى قطاعات من المجتمع الليبي التي ارتبطت بالمرحلة السابقة أو رأت في مشروعه السياسي إمكانية للخروج من حالة الانقسام والفوضى. ورغم امتلاكه رصيدًا رمزيًا وشعبيًا داخل بعض الأوساط، ومحاولته العودة إلى الحياة السياسية والترشح للانتخابات الرئاسية، فإنه لم يتمكن من تحويل هذا الرصيد إلى مشروع سياسي قادر على إحداث تحول فعلي في بنية السلطة الليبية، في ظل الانقسام المؤسسي وتعدد مراكز القوة المسلحة وتعثر العملية الانتخابية. وقد انتهى هذا المسار بصورة مأساوية مع استشهاده في مدينة الزنتان في 3 فبراير 2026 على يد مسلحين، في حادثة عكست مجددًا هشاشة الوضع الأمني واستمرار منطق العنف السياسي في ليبيا. وبذلك لم تقتصر خسارة سيف الإسلام على شخصه، بل مثّلت، من منظور أنصاره، إقصاءً لأحد آخر الرموز القادرة على طرح بديل سياسي عن واقع الانقسام القائم. خامسًا: هل يمكن إعادة الحديث عن المشروع؟ ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر أهمية اليوم. لا يمكن ببساطة العودة إلى سنة 1969، ولا يمكن إعادة إنتاج الجماهيرية كما كانت؛ فقد تغير المجتمع الليبي، وتغير العالم، وتغيرت المفاهيم، كما أن تجربة 2011 وما تلاها أصبحت جزءًا لا يمكن حذفه من الذاكرة السياسية الليبية. لكن رفض العودة إلى الماضي لا يعني رفض دراسة أفكاره. فيمكن إعادة التفكير في بعض العناصر التي حملها المشروع بعيدًا عن الشكل الذي اتخذته في عهد القذافي: السيادة على الموارد الوطنية، العدالة الاجتماعية، توزيع الثروة، المشاركة الشعبية، استقلال القرار الوطني، مشاريع وحدوية عربية أكانت أو أفريقية تجعلنا نتجاوز أطر الدولة القطرية الضيقة و"وحدة الأسماك في عالم الحيتان". لذلك، فإن السؤال الصحيح ليس: هل نعيد الجماهيرية؟ بل: هل نستطيع أن نقرأ تجربة الفاتح قراءة نقدية، فنأخذ منها ما يمكن أن يخدم مشروعًا ليبيًا جديدًا، ونتجاوز في الوقت نفسه ما جعل تجربتها غير قابلة للاستمرار؟ إن الفرق بين السؤالين كبير؛ الأول ينتمي إلى الحنين السياسي، أما الثاني فينتمي إلى التفكير في المستقبل. خاتمة : وبعد أكثر من نصف قرن على الفاتح، وبعد خمسة عشر عامًا على سقوط نظام الجماهيرية، يبدو من الصعب القول إن التجربة قد انتهت بالكامل في عام 2011. فقد سقط النظام السياسي، لكن المجتمع الذي تشكّل عبر عقود من السياسات الاقتصادية والاجتماعية لم يسقط معه، كما لم تختفِ آثار تلك السياسات، ولا الذاكرة التي خلّفتها التجربة، ولا الأسئلة التي طرحتها حول السيادة والثروة والدولة والمشاركة الشعبية. ومن ثم، فإن الإنصاف التاريخي يقتضي ألا تُقرأ تجربة الفاتح باعتبارها أسطورة ناجحة مكتملة، كما لا يصح اختزالها في حقبة سوداء خالية من أي مضمون أو إنجاز؛ وإنما ينبغي النظر إليها باعتبارها تجربة تاريخية مركبة، حملت في داخلها تناقضات ومكاسب وإخفاقات، كما حملت مشروعًا سياسيًا تجاوز في طموحه حدود الدولة الليبية، واتخذ أبعادًا عربية وإفريقية، بل انطلق من تصور أوسع للاستقلال والسيادة والتحرر والوحدة الشعبية. ولعل السؤال الذي تفرضه حصيلة السنوات الخمس عشرة الماضية لا يتعلق فقط بما إذا كانت التجربة قد انتهت، وإنما بما إذا كان الوقت قد حان لإعادة التفكير في الأسئلة التي حاولت تلك التجربة الإجابة عنها، وفي مقدمتها: • هل لا يزال ممكنًا إعادة بناء مشروع وحدوي شعبي وسيادي، يستفيد من دروس الماضي ويتجاوز تناقضاته، لا بوصفه عودةً إلى الماضي، وإنما باعتباره محاولة لإعادة صياغة مشروع تحرري يتلاءم مع شروط الحاضر العربي والإفريقي؟ ملاحظة :استعمال مصطلح "إنقلاب" عامة وفي هذا السياق خاصة ليس له دلالة ايجابية أو سلبية، فالانقلاب بحسب الكاتب مصطلح محايد ويمكن تقييمه وفق دوره في المجتمع والتاريخ.