فلسطين… حين يتحوّل سوء الفهم إلى هزيمة
بقلم عدنان الشتيوي | طالب حقوق و ناشط شبابي
ليست قضية فلسطين مجرّد ملف سياسي يُتداول في أروقة الدبلوماسية، ولا هي نزاع عابر يمكن اختزاله في صراع ديني أو خلاف حدودي ضيّق، كما يروّج البعض. إنّها، في عمقها، قضية أمة بأكملها، اختُزلت بفعل سوء الفهم في صور مشوّهة أفرغتها من معناها الحقيقي، وأضعفت القدرة على التعامل معها بجدية وفاعلية. لقد اعتاد جزء من الرأي العام العربي النظر إلى القضية الفلسطينية من زوايا جزئية؛ فتارة تُقدَّم على أنّها صراع عقائدي، وتارة أخرى كأنّها شأن محلّي يخصّ شعبًا دون غيره، أو تُصوَّر بوصفها مسألة دولية أو إقليمية، أو مجرّد انعكاس لنظم اجتماعية متباينة. غير أنّ هذا التصوّر الضيّق لا يعكس حقيقة الصراع، بل يساهم في تكريس العجز والتردّد، ويمنح الخصم فرصة ترسيخ مشروعه في ظلّ غياب رؤية عربية موحّدة. إنّ أصحاب هذه الآراء يذهبون إلى القول بأنّ مشكلة فلسطين هي مشكلة "عربية"، ويستغيثون بمئات الملايين من العرب، دون أن يجرؤوا على تسميتها بمظهرها الحقيقي والاعتراف بأنّها "قضية قومية". كما يزعمون، واهِمين، أنّها "مشكلة دينية" بحتة، غافلين عن حقيقة أنّ الوطن العربي كان، عبر تاريخه، مهدًا للأديان السماوية ومجالًا لتفاعلها وتكاملها، وأنّ التجربة العربية في جوهرها احتضنت هذا التنوع ولم تُختزل فيه. ويمتدّ هذا الاختلال في الوعي ليعمي الأبصار عن طبيعة النظم السياسية ذاتها؛ إذ يغفل هؤلاء أنّ المشروع الصهيوني لم يستهدف نمطًا سياسيًا بعينه، بل اعتدى على نظم مختلفة: من أنظمة مرتبطة بالاستعمار، إلى أخرى تحرّرت منه، وصولًا إلى نظم وُصفت بالتقدمية. وفي كلّ مرّة، كان الهدف واحدًا: السيطرة على الأرض، وإفراغها من أهلها، ثمّ إعادة تأويل الصراع باعتباره مجرّد تناقض بين نظم اجتماعية. كيف يغيب عن الأذهان أنّ الصهيونية، حين وضعت مخططات إقامة دولتها في مؤتمر بازل سنة 1897، لم تكن هناك دول عربية قائمة بالمعنى الحديث للدولة، ولا سيادة حقيقية على الأرض؟ بل كان الوطن العربي آنذاك موزّعًا بين سيطرة الاحتلال العثماني والاحتلالات الأوروبية. ومع ذلك، يأتي اليوم من يزعم أنّ توصيف الصهيونية بالعدوان مرتبط بوجود هذه الدول أو تلك الأنظمة! فالصراع في فلسطين ليس إلا امتدادًا لمشروع استعماري استيطاني إحلالي، يستهدف الأرض والإنسان والهوية، ومدعومًا بقوى دولية تتحكّم في موازين القرار العالمي. ومن هذا المنطلق، فإنّ التعامل مع القضية باعتبارها مسألة ثانوية أو شأنًا إقليميًا معزولًا، إنما هو تجاهل لطبيعتها الحقيقية، وتفريط في أحد أبرز عناصر وحدة المصير العربي. إنّ أخطر ما تواجهه القضية الفلسطينية اليوم ليس فقط اختلال موازين القوى المادية، انما ايضًا اختلال الوعي بها وتشويه أبعادها التاريخية. فحين يغيب الفهم العميق لطبيعة الصراع، يتحوّل الفعل إلى ردود أفعال ظرفية، تفتقر إلى الاستمرارية والتأثير. لذلك، فإنّ استعادة البعد القومي الشامل للقضية هي ضرورة تاريخية وجودية. إذ لا يمكن لأيّ مشروع تحرّر عربي أن ينجح دون وعي جماعي يدرك أنّ ما يحدث في فلسطين لا يعني الفلسطينيين وحدهم، بل يمسّ كلّ عربي في هويته ووجوده ومستقبله. فالقضية، قبل أن تكون نزاعًا على جغرافيا الأرض، هي معركة على المعنى، والوعي، والانتماء. ومن هنا، فإنّ تصحيح الفهم وتعرية المغالطات يظلان الخطوة الأولى نحو تصحيح المسار، لأنّ الأمم لا تُهزم فقط بقوة أعدائها، انما تُهزم أوّلًا بسوء إدراكها لذاتها وقضاياها. إنّ إعادة الاعتبار لقضية فلسطين كقضية قومية شاملة، تتجاوز الحدود والنظم، تمثّل المدخل الحقيقي لاستعادة الفعل والتأثير، وصناعة التاريخ، بدل الاكتفاء بدور المتفرّج في واحدة من أكثر قضايا العصر إلحاحًا وعدالة.