بين الخطاب التعبوي والعقل الاستراتيجي: لماذا لا تُدار حروب التحرير بالشعارات وحدها؟

بين الخطاب التعبوي والعقل الاستراتيجي: لماذا لا تُدار حروب التحرير بالشعارات وحدها؟
محمد صادق اليحياوي | باحث في العلوم السياسية

لا خلاف على أن الخطاب الإيماني والتعبوي يؤدي وظيفة معنوية مهمة في تثبيت المقاتلين ورفع الروح المعنوية وتعزيز الاستعداد للتضحية. غير أن الإشكال يبدأ عندما يتحول هذا الخطاب إلى عقيدة عملياتية (Operational Doctrine)، ويُنظر إلى تقييم النتائج وكأنه تشكيك في العقيدة أو ضعف في الإرادة.

فحروب التحرير لا تُدار بالنوايا وحدها، وإنما بمنهج علمي يربط بين الوسائل والغايات، ويجعل من التضحية أداة لتحقيق النصر، لا غاية قائمة بذاتها.

في العلوم العسكرية الحديثة، تُبنى العمليات على حلقة اتخاذ القرار (OODA Loop: Observe – Orient – Decide – Act)، وهي الإطار الذي تقوم عليه القيادة العسكرية الفعالة. تبدأ هذه الحلقة بـالمراقبة (Observe) وجمع المعلومات، ثم التموضع الإدراكي أو تحليل البيئة العملياتية (Orient) لفهم الواقع والمتغيرات، يلي ذلك اتخاذ القرار (Decide)، ثم التنفيذ (Act)، قبل العودة مجددًا إلى مراقبة النتائج وتقييمها وإعادة ضبط الخطة.

إن تعطيل هذه الحلقة، أو الاكتفاء بالفعل دون تقييم مستمر للنتائج، يعني الدخول في حالة من القتال الأعمى (Blind Fighting)؛ أي عمليات تستمر دون معرفة ما إذا كانت تحقق أهدافها أو تعيد إنتاج الأخطاء نفسها، بما يؤدي إلى استنزاف الطاقات البشرية والموارد المادية دون مردود استراتيجي حقيقي.

ولهذا فإن تقييم أضرار المعركة (Battle Damage Assessment - BDA) والتقييم العملياتي (Operational Assessment) ليسا ترفًا فكريًا، بل عنصران أساسيان في أي حملة عسكرية ناجحة. فالقائد مطالب بصورة دائمة بالإجابة عن أسئلة جوهرية: هل تحقق الخطة أهدافها؟ هل يتعرض العدو للاستنزاف بوتيرة أكبر منا؟ هل تغيرت البيئة العملياتية (Operational Environment) بما يستوجب تعديل التكتيكات (Tactics) أو حتى التصميم العملياتي (Operational Design)؟

إن رفض تقييم النتائج لا يعبر عن الثقة، بل عن تعطيل متعمد لمنهج القيادة العسكرية الحديثة.

ومن منظور الفكر الاستراتيجي، فإن الحرب ليست فعلًا منفصلًا عن السياسة. فمنذ المفكر العسكري كارل فون كلاوزفيتز (Carl von Clausewitz) أصبح من المسلمات أن الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى (War is the continuation of politics by other means). أي أن العمليات العسكرية ليست هدفًا في ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق غاية سياسية محددة: تحرير الأرض، واستعادة السيادة، وفرض الإرادة الوطنية.

وعندما يُختزل النصر الدنيوي في مرتبة "النافلة"، وتُفصل العمليات العسكرية عن أهدافها السياسية، تفقد الحرب بوصلتها الاستراتيجية. فكيف يمكن تحديد الأهداف الاستراتيجية (Strategic Objectives) أو ترتيب الأولويات العملياتية (Operational Priorities) إذا لم يكن هناك تصور واضح لما يراد تحقيقه سياسيًا؟ عندئذ يتحول القتال إلى حالة استنزاف مفتوحة، تُراق فيها الدماء دون أن تُترجم إلى مكاسب استراتيجية.

ومن المبادئ الراسخة أيضًا في العلوم العسكرية مبدأ الحفاظ على القوة (Force Preservation). فالمقاتل ليس مجرد رقم في كشف الخسائر، وإنما يمثل قدرة قتالية (Combat Capability) متكاملة، استُثمرت فيها سنوات من التدريب والتأهيل والتسليح والإمداد. ولذلك فإن الحفاظ على القوة القتالية ليس تعبيرًا عن الجبن، بل شرط لاستمرار القدرة على القتال.

ولهذا تعتمد الجيوش المحترفة باستمرار على مؤشرات مثل نسبة تبادل الخسائر (Exchange Ratio)، ومعدل الاستنزاف (Attrition Rate)، والفاعلية القتالية (Combat Effectiveness) لتقييم ما إذا كانت كلفة العمليات متناسبة مع العائد العسكري والسياسي. أما تبني عقلية تقوم على شعار "اقتل أو تُقتل" دون احتساب هذه المؤشرات، فهو أقرب إلى وصفة للاستنزاف الذاتي منه إلى استراتيجية للتحرير.

ومن اللافت أن الاستدلال الديني نفسه لا يدعم إلغاء المراجعة أو رفض تقييم الأداء. فبعد غزوة أحد لم يُعامل ما جرى باعتباره حدثًا خارج دائرة التحليل، وإنما جرى تشخيص أسباب الإخفاق، وعلى رأسها مخالفة الرماة للأوامر، واستخلاص الدروس التي أسهمت في تطوير الأداء العسكري لاحقًا. وهذا في جوهره يمثل مراجعة ما بعد العملية (After Action Review - AAR) بلغة العلوم العسكرية المعاصرة.

إن الأمة العربية اليوم لا تحتاج إلى الاختيار بين العقيدة والعقل، بل إلى الجمع بينهما. فالإيمان يمنح الإرادة، أما العلم فيحدد الطريق. والروح المعنوية ترفع القدرة على الصمود، لكن الاستراتيجية (Strategy)، والفن العملياتي (Operational Art)، والعلوم العسكرية (Military Science) هي التي تحول الصمود إلى انتصار.

فالأمم لا تنتصر لأنها أكثر استعدادًا للموت، وإنما لأنها أكثر قدرة على إدارة الحرب بعقلانية، وإخضاع القرار العسكري للتقييم المستمر، وربط العمليات العسكرية (Military Operations) بأهداف سياسية واضحة، والحفاظ على القوة القتالية (Combat Power) حتى يتحقق الهدف النهائي: تحرير الأرض، وصون السيادة، وتحقيق النصر.