بين الحروب المتكررة وحلم الحرب الأخيرة: قراءة في استراتيجية التحرير والوحدة العربية
عدنان الشتيوي | طالب حقوق
إن المساومة السلمية التي تنص على الاعتراف بوجود كيان العدو أو بضمان أمنه لن تتم، ولذلك فإن «7 أكتوبر» جديدًا إذن قادم.
وفي هذه الحرب المتوقعة، ستلقي حماس مرة أخرى بمجموعة من الشباب من أمتنا العربية في أتون المعركة. وستستنزف مرة أخرى أغلب الطاقات الحربية المتوفرة لها لتحقيق نصر، كل غايته أن يمنح دماء عشرات الآلاف من الشهداء، وعشرات الملايين من المساعدات والإسقاطات الجوية، والكثير من الفيديوهات التي يبثها القسام لتدمير ناقلات جند ودبابات العدو، «حقنة» لتقوية الرأي العام العربي والفلسطيني، ولإقناع شعب غزة بضرورة الصبر والالتفاف حولهم. وكل غايته أن يغذي أوهام الأمل في تحرير فلسطين بأيدٍ مرتبطة بقطر وتركيا.
لا. إني أقولها لكل الذين رخص عندهم الإنسان العربي إلى الحد الذي يدفعون به إلى الحروب، لا من أجل النصر لأمته، ولكن من أجل تقوية مراكزهم في السلطة وفي الميدان الدبلوماسي.
لا. إن حياة جماهيرنا العربية أغلى بكثير من أن تكون مجرد ورقة في لعبة المناورات الدبلوماسية.
لا. يكفي ما بُدّد من طاقات، وما أُنفق من أموال، وما أُهدر من دماء بحجة تحرير فلسطين.
لا. إننا لا نريد أن يحكم كيان العدو جماهيرنا العربية بطريقة غير مباشرة، عن طريق المساومات الدبلوماسية والتوصل إلى الهدنة والاتفاق والتطبيع، لتغطية ما يرتكبه في حق جماهيرنا العربية من جرائم.
إن من حق شعبنا الفلسطيني أن يوقف هذه اللعبة البشعة التي كان هو ضحيتها دائمًا، ومن حقه أن يحول بكل قوته دون أن يبقى كيان العدو أداة لاستنزاف طاقاته دوريًا. فكلما بنى هُدم، وكلما نشأ له جيل جديد دخل به حربًا جديدة، وكلما حاول أن يتقدم توقف ليقاتل معاركه المحدودة التي لا تنتهي.
إن من حق شعبنا الفلسطيني أن يكون «7 أكتوبر» الجديد هو «7 أكتوبر الأخير»، ليتفرغ بعدها لبناء الحياة التقدمية، والرخاء والحرية.
إن هذا يعني أن تكون غاية «7 أكتوبر الجديد» ليس مجرد تحريك للقضية على المستوى الدبلوماسي، ولا إزالة الانكسارات السابقة، ولكن استرداد أرض فلسطين للشعب العربي. فنحن لا نفهم ما يُقال عنه بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني إلا باسترداد أرضه المغتصبة.
وبمنتهى الوضوح، لا يتم هذا إلا بتصفية كيان العدو، ولكن كيف يتم هذا التحرير؟
حرب التحرير لن تكون بواسطة جهة واحدة أو منظمة واحدة، بل يجب أن يتم تغيير جذري وحاسم في الوطن العربي كشرط سابق للنصر في «7 أكتوبر الجديد». وأول عناصر هذا التغيير وأهمها أن تدخل الجماهير العربية ذاتها الحرب، وأن تكون صاحبتها جندًا وقيادة، وأن ترسم هي استراتيجيتها، وتخوض هي مواقعها التكتيكية، وتعبئ مواردها وتوظفها في سبيل أن يكون «7 أكتوبر الجديد»، الذي هو حربها الأولى، حربها الأخيرة.
حرب التحرير لن تكون إلا بقيام دولة واحدة جماهيرية تخوض الحرب. دولة واحدة تضم أقاليم مصر وسوريا والأردن وتونس والجزائر وليبيا وفلسطين. نعم، فلسطين. إن هذا هو الاستثمار التقدمي الأمثل للاعتراف العالمي بأن حماس هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. إنها الآن تملك أن تدخل في وحدة لتصبح فلسطين المحتلة جزءًا من دولة عربية واحدة، من حقها تحرير قطعة من أرضها.
نقول إن مثل هذه الدولة كفيلة بتحقيق النصر الحاسم في «7 أكتوبر الجديد». فإن هذه الدولة لا تحل مشكلة الموازين الدولية ومشكلة التسليح الإسرائيلي الكثيف فحسب، بل ستحل أيضًا مشكلة «الناس» الذين سيتخلفون على الأرض العربية بعد القضاء على كيان العدو، ولن يكون حل مشكلاتهم حينئذ على حساب الشعب العربي الفلسطيني وحده.
ضد هذه الوحدة ستقدم حماس والدول العربية وأجهزتها الإعلامية مئات الحجج، من أول الحساسيات الإقليمية والشخصية إلى ضرورة أن تسبق الوحدة دراسات متأنية ومعمقة لآثارها على التجارة والنقد ومناهج التعليم والاقتصاد والنظم الاجتماعية.
عندها تتبين الشعوب العربية حقيقة أن حماس والدول العربية لا مانع لهم من الزج بآلاف مؤلفة من شباب أمتنا لعشرات السنوات في معارك محدودة النصر ومحدودة الهزيمة، واستنزاف طاقاتها عامًا بعد عام، وحكمها بحجة تحرير فلسطين. ولكن لديهم موانع كثيرة من أن يفتحوا حدودهم وجبهاتهم، ويستغنوا عن مقاعد السلطة وتشددهم بأفكارهم الشخصية، وأن يقبلوا «هزة» في نظمهم التجارية وسعر عملاتهم، ولو من أجل النصر النهائي والأخير على الصهيونية.
ليس لديهم مانع من أن يموت من كل جيل مئات الآلاف من الشباب العربي، وأن يُسخّر كل مال جديد في شراء وتصنيع أسلحة جديدة، وأن يجوع الشعب العربي الفلسطيني ويُقهر سياسيًا واقتصاديًا وفكريًا من أجل تحرير فلسطين، ولكن لديهم ألف مانع من أن يفقدوا مراكزهم كحاكمين، ولو كان ذلك هو السبيل الوحيد والأوحد لتحرير فلسطين.
فليقولوا ما يشاؤون، فإن كلامنا موجه للشعب العربي في أن يختار بين حروب محدودة متكررة كل عشر سنوات أو أقل، وبين حرب أخيرة نتفرغ بعدها لحياة الحرية والرخاء والتقدم. أن تختار بين الوحدة وبين التجزئة. أن تختار بين القومية وبين الإقليمية. وهي إذ تختار بين النصر والهزيمة، فلتختر الجماهير العربية الوحدة، طريق النصر، من أجل أن يكون «7 أكتوبر الجديد» هو «7 أكتوبر الأخير».