عن الرؤية، كلّ الرؤية: قراءة في كتاب سيمولاكرا
قراءة فيما حدث: عن الطوفان، الماتريكس، جان بودريار، وآخرين"
جنى مَشْلَب – كاتبة عربية من لبنان
يُعتقد غالبًا بأن الدافع (Motive/ Drive) يأتي قبل الفعل ،باستثناء الحالات حيث يكون الدافع نتيجة لحدثٍ حصل مسبقًا يؤدي دور السبب. بحسب الفيلسوف الفرنسي جان بودريار -والذي تم طرحه في الكتاب المتناول والمُصنّف كمجموعة مقالات صحفية بعنوان "سيمولاكرا قراءة فيما حدث: عن الطوفان، الماتريكس، جان بودريار، وآخرين." للباحثة، الكاتبة، والأستاذة الجامعية "تهاني نصّار" - فإن الدافع ليس قائمًا على نظام استهلاكي يهدف للحصول على الشيء نفسه، بل على التمايز الاجتماعي الذي يُحدد بدوره مركزنا ونمط حياتنا، ولربما دورنا الإنساني ومدى تأثيرنا. لعلّ هذا هو السبب الذي جعل مؤلفة الكتاب تستهل عملها بالشرح عن دافعها والسؤال الذي راودها بعد حادثة قرصنة الموقع الالكتروني لجريدة الأخبار اللبنانية عام 2024 والذي يضمّ أرشيف موادها الصحفية والاصدار الأول لكلٍّ من المقالات الثماني والعشرين الموجودة في هذا الكتاب.
"ماذا أكون قد قدمت في هذا الصّراع؟ من سيروي ماضينا وكيف سيصوّرنا؟" وقد جاء كتاب "سيمولاكرا" كإجابة على تساؤلات الأستاذة "تهاني" وكل من يبحث عن دوره في هذا الصراع. صراع: الهوية، اللغة، الازدواجية، الاستعمار، الخير والشّر، المصطلحات، التفوق العنصري، الثقافة، الواقعية المفرطة وغيرها..
صدر كتاب "سيمولاكرا:قراءة في ما حدث: عن الطوفان، الماتريكس، جان بودريار، وآخرين" في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب عام 2025 وقد حصد اقبالًا جماهيريًا في حفل توقيعه آنذاك بالاضافة إلى ندوات وجلسات مناقشة عديدة ترأستها الكاتبة في ظل حديثها عن تنوّع هذا الكتاب وما الذي قد يجمع بين الكاتب الشهيد غسان كنفاني، الفيلسوف اليوناني أفلاطون، الفيلسوف الفرنسي جان بودريار ومراسلي ومقاومي غزة الذين أعادوا مصطلح "الواقعية المفرطة" إلى الواجهة من خلال تمثيل الواقع كما هو، عكس ما يتم بثّه والترويج له. وبهذا فإن الأشياء تتمايز بأضدادها. انطلاقا من المسار الذي اتبعته الكاتبة والمأخوذ من الفيلسوف العربي ابن رشد والملّقب بالشارح(ص15) فإن المصطلح الأخير hyperreality يعني ببساطة صعوبة أو استحالة التمييز بين الحقيقي والمُصطنع بفعل التكنولوجيا الحديثة وبالتالي ضياع الواقع في المتخيّل.
"في زمن《الواقع المفرط》..المقاومة تعيدنا إلى الحقيقة"
"المقاومة الفلسطينية تعيدنا إلى 《صحراء الواقع》."
تمّ نشر هذين المقالين تباعًا في الجريدة عام 2023 بفارق أسبوع بينهما. وبعدما يُقارب الشهرين على انطلاق عملية طوفان الأقصى -والتي تشرح أيضا الكاتبة سبب نجاحها وانقلاب المسجون على السجّان من خلال نسف مفهوم ودور ال"بانوبتيكون" أي برج المراقبة المركزي في مقالها الأول ضمن ترتيب الكتاب. والجدير بالذكر أن الكتاب يضم رمز الاستجابة السريعة Qr code في طليعة كل مقال مُدوّن حيث يأخذك عند مسحه إلى المقال الرئيسي باستثناء تلك التي تمّت قرصنتها بالكامل. بالعودة إلى المقالين السابقين؛ تشرح الباحثة انطلاقا من استنتاجها وربطه مع نظرية الفيلسوف بودريار "الاصطناع" عن الحملة الإعلامية الممنهجة التي يتّبعها العدو -الذي لا يستحق ذكر اسمه- عبر خطاباته واعلامه الكلاسيكي والرقمي لضخّ معلومات مزيّفة تخدم ازدواجية معايير الغرب وتبرر جرائم الحرب وعجزه عن تحقيق أي انتصار أو تقدم فعلي. كما تعطي أمثلة واقعية أخذت صيحة إعلامية عند صدورها ليتبين لاحقا كمّ التعديل والتزييف الذي خضعت له لتفقد دورها وأصلها الحقيقي (ص29). تُكمل الأستاذة تهاني بحثها لتصل إلى ربط سينمائيٍ ومرئيٍ أكثر من خلال مقاربة الانذار الذي أعلنه الطوفان والحبّة الحمراء التي ظهرت في فيلم The Matrix (1999) من اخراج الأختين وتشاوسكي اللتين تأثرتا أيضا بكتاب بودريار Simulacra and Simulation. فاستطاعت خلق الرابط العجيب بين الحبة التي اختارها بطل العمل نيو والمثلث الأحمر المقلوب الذي اختاره المقاومون رمزًا لصحراء واقعهم المسجّل عبر هواتف محمولة قد يكتفي أصحابها بالخروج بخُفٍّ بلاستيكي في أقدامهم لتوثيق اللحظة. في الفصل نفسه، تظهر مهارة الباحثة وملاحظتها الدقيقة وتتبعها للتفاصيل الصغرى التي ما هي الّا جذر لما هو مخفي من زلّات لسان ولاوعي مُدرِك للحقيقة بالرغم من المحاولات العديدة للالتزام بلغة موّحدة وتعابير منصوص استخدامها لطمس الواقع من قبل العدو الغاشم والمطبلّين له(ص58-59).
يتكوّن الكتاب من خمسة فصول. لكلٍّ منها عنوان مبتكر يحمل في طيّاته العديد من المعاني التضمينية واقتباس للكاتبة في طليعة كل فصل بخطّ يدها ما يزيد دقة ومصداقية العمل:
بودريار-خارج ال"ماتريكس"، ألتوسير-عنف المؤسسات الأيدولوجية، فوكو-عقدة تفوّق العرق الأبيض، فِنكلستين-ازدواجية معايير الإعلام الغربي، دار-المجمّع الإبداعي-شرفات على الطوفان. بالإضافة إلى تطرقها إلى فلاسفة وأكاديميين، تستعين المؤلفة بتجارب اضطهاد الغرب "مدّعي الحرية وناقد النازية" عايشها ناشطون مثل المناضلة "مريم أبو دقة" والمناهض للصهيونية "غسان الحاج" و "جوزيف مسعد" وغيرهم. ثم تقوم بال"كسرة" في نهاية الفصل الثاني. في عالم الكتابة والرواية يُقاس نجاح العمل وفقا لعوامل عدّة، أبرزها الكسرة والتي بدورها تعني فكرة مثيرة للجدل خارج المعتاد. وقد أدّى المقال -الذي دار حول تواطؤ الدول العربية لنجدة "اسرائيل" ورجال كنفاني الذين لازالوا يقاتلون باللحم الحي- هذا الدور نظرًا للإسقاط الذي قامت به الكاتبة بنجاح وشرحها المعمّق له بالتزامن مع حديثها عن بعض أعمال الكاتب الشهيد. عامل آخر لتحديد ديمومة و تفوق العمل هو "العالمية". هل يُطبّق في أكثر من زمان؟ هل يبقى صالحًا على مرّ العصور؟ في الواقع، أكثر من كون هذه المقالات تدوينية تأريخية لحفظ الوقائع والحقائق، فإنها تهدف إلى زيادة المخزون الثقافي وتشكّل محطات زمنية تصوّر لنا الظلم والوحشية وإن بأشكال وأنماط مختلفة على سبيل مواكبة التطور والعصور. بدءًا بالهولوكوست واستغلاله وتحوله إلى سلاح صهيوني وصولًا إلى نعت أصحاب الأرض ب"الحيوانات البشرية" من قبل حكومة احتلال تعاني تفككًا داخليّا في المجتمع. الأمر الذي تكرر عام 2026 عبر لسان المبعوث الأميركي توم باراك حيث وصف سلوك الاعلاميين اللبنانيين ب"الحيواني" animalistic. وهذا ما قد يتكرر في زمنٍ لاحق إذ استمر النزاع بين طرفين غير متساويين في القوة. بالحديث عن الهولوكوست، تقارب الباحثة بين مراسل غزة البشوش دائما والفنان فطريا ،بحسب وصفها، والذي كاد أن يكون هدفا لطمس الحقيقة والطفولة وبين آن فرانك (تشرح مفصلا عن هويتها ص226) التي فعلت تماما مثله عبر مذكرات كتابية لغياب الهواتف الذكية آنذاك وكيف أصبحت أيقونة أطفال المحرقة اليهودية و"مقاومة" يتباهى بها الغرب فيما يستمتع بقتل واستهداف الصحافيين والاعلاميين والمدونين خاصتنا.
يأتي الفصل الأخير من الكتاب عبارة عن تقديمٍ لكتاب "شرفات على الطوفان"، وهو كتابٌ من إنتاج دار-المجمّع الإبداعي (الدار الناشر عينه لكتاب سيمولاكرا) والذي كتبه 39 متدرباً على الكتابة تحت إشراف مدرّب الكتابة الإبداعية عبد الرحمن جاسم، ومؤلّفة الكتاب. هذه المبادرة الثقافية، والتي يتم الحديث عنها -أيضاً- في الكتاب في شرح لكيفية تحويل القصص القصيرة والحكايا اليومية إلى عمل مقاوم يهدف إلى حفظ الذكريات ومساندة أهل غزة في الوقت عينه. ولأن للمؤلفة باعٌ في مجال التأليف، فإن لها -أيضاً- عمل قصصي بعنوان "حكايات ستّي" يتكوّن من مجموعةٍ من الحكايا، يسلط الضوء على الكاتبة في طفولتها وجدتها المقاومة "سودة" والنوستالجيا التي تجمعهما والكثير من التفاصيل الفلسطينية إبان حياتها في مخيم برج البراجنة للعائدين الفلسطينين في لبنان. وبالعودة للكتاب، تنهي نصّار كتابها بمقال عن أحد أهم أركان الرموز الفلسطينية التي حوّلتها عبر قصصِها ومحاضراتِها إلى عنصر حيّ، يومي، تفاعلي: "الحطّة الفلسطينية". تبني المؤلفة نصاً تاريخياً تذكيرياً بدور الحطّة ومكانتها في التاريخ والوجود الفلسطيني والعربي عموماً.يأتي "سيمولاكرا قراءة فيما حدث: عن الطوفان، الماتريكس، جان بودريار، وآخرين"، محمّلاً بالكثير من الروح المُقاومة. إنه أشبه بأنشودة مقاومة ذكية وناضجة. في الكتاب الكثير من الجهد والذكاء والتفاصيل الصغيرة التي تظهر جليّا منذ اللحظة الأولى، ومن تصميم الغلاف: اللون ونمط الكتابة والتصميم الداخلي. يأتي كلّ هذا كحجة على دور كل إنسان باختلاف مجالاتنا على نصرة الحق كي تبقى إنسانيتنا هي السباقة. ويبقى أن نقول، كما قالت الكاتبة: "في الخروج من الماتريكس حرية!".